
رواية كاملة
في “سان أنطونيو”، الناس دايمًا تقول إن الأفراح بتلمّ القلوب وبتنضّف النفوس، لكن “مريم” كانت عارفة من وهي صغيرة إن الكلام ده مالوش أي علاقة بالحقيقة. قدام الناس، عيلتها كانت مثالية… ضحك وأحضان وكلام كله حب، لكن أول ما الباب يتقفل، الكره يبان في العيون زي النار.
“مريم” عندها 32 سنة، ظابط طيار في القوات الجوية، شخصية قوية وجدعة، الست اللي تقدر تشيل جبل فوق كتافها وما تشتكيش. لكن النجاح اللي تعبِت عشانه طول عمرها كان بالنسبة لأهلها جريمة.
أبوها “فريد”، الراجل الصعيدي القديم اللي شايف إن البنت مكانها المطبخ، كان كل ما يشوفها لابسة البدلة العسكرية يحس إنها كسرت رجولته. وأمها “كريمة” كانت طول الوقت تردد إنها “بنت ناشفة” ومش زي باقي البنات اللي يسمعوا الكلام ويعيشوا تحت طوع أهلهم. أما أخوها “تامر”، رغم إنه عاطل وفاشل ومعتمد عليهم في كل حاجة، كان دايمًا هو حبيب البيت والمدلل.
ومع كل ده، “مريم” كانت ساكتة… مستحملاهُم. تقول لنفسها: “دول أهلي مهما حصل”. لكن جواها كانت بتتآكل بالبطيء.
لما اتعرفت على “إيهاب”، لأول مرة تحس إن في راجل شايفها زي ما هي، مش خايف من قوتها ولا نجاحها. حبها لأنها “مريم”، مش لأنها ست لازم تتكسر عشان ترضي حد. واتفقوا يعملوا الفرح في “الجونة”، وكان كل شيء ماشي زي الحلم.
قبل الفرح بيومين، رجعت بيت أهلها ومعاها أربع فساتين فرح… كل واحد فيهم تحفة لوحده. كانت محتارة تختار أنهي واحد، وقلبها بيرقص من الفرحة زي أي بنت بتحلم باليوم ده.
لكن البيت كان مليان توتر غريب.
أبوها ساكت طول الوقت ووشه متكشّر، أمها بتحدف كلام سخيف من تحت لتحت، و”تامر” قاعد يرميلها نظرات مستفزة ويضحك لوحده.
بالليل، “مريم” دخلت أوضتها، قفلت الباب عليها، وفضلت تتأمل الفساتين بابتسامة طفلة صغيرة. حضنت واحد منهم وقالت لنفسها:
“خلاص… بكرة أبدأ حياتي بجد.”
نامت وهي لأول مرة من سنين حاسة براحة.
لكن الساعة اتنين الفجر…
صحيت مفزوعة على صوت حركة في الأوضة. فتحت عينيها بالعافية، ولقت نور خافت جاي من ناحية الدولاب. قامت بسرعة وقلبها بيدق بعنف.
ثواني… وكانت الصدمة.
الفساتين الأربعة متقطعين بالكامل.
القماش الأبيض متبهدل على الأرض، والتُل متقصقص، والخرز متفرتك كأنه جثة متقطعة. منظر يخلي أي عروسة تنهار.
“مريم” حست إن روحها خرجت منها. ركبتها خذلتها ووقعت على الأرض وهي مش قادرة حتى تصرخ.
وفجأة…
الباب اتفتح.
دخل “فريد” بمنتهى البرود، وراه “كريمة” مطأطية وشها، و”تامر” ماسك بطنه من الضحك.
أبوها بص لها باحتقار وقال:
“إنتِ اللي جبتي ده لنفسك… فاكرة نفسك أحسن مننا عشان بتسوقي طيارات؟ حبّينا نفكرك إنك مهما عملتي… هتفضلي ولا حاجة.”
“مريم” بصت لأمها تستنجد بأي ذرة حنان… لكن أمها ما نطقتش.
أما “تامر” فقال وهو بيضحك بشماتة:
“خلاص… مفيش فستان، يبقى مفيش فرح. اقعدي عيّطي بقى.”
وقفلوا الباب عليهم وسابوها وسط الخراب.
الدنيا كلها كانت بتلف حواليها، لكن وسط وجعها وانكسارها… حاجة جواها اتغيرت.
“مريم” مسحت دموعها، وقامت ببطء تبص لنفسها في المراية.
وفي اللحظة دي بالذات… أخدت قرار.
قرار هيخلّي فرحها يتحول لفضيحة عمرهم ما ينسوها، وهيخلّي كل واحد فيهم يتمنى لو الزمن يرجع بيه لورا ثانية واحدة بس.
“مريم” ما انهارتش… ولا حتى سمحت لنفسها تعيط أكتر من دقيقة.
مسحت دموعها بسرعة، وقامت من على الأرض بهدوء يخوف، الهدوء اللي بييجي قبل الانفجار.
كانت متعودة في شغلها إنها تتصرف وقت الكوارث من غير ما ترتبك، وده بالظبط اللي عملته.
فتحت شنطتها العسكرية اللي عمرها ما فارقتها، وطلعت منها البدلة الرسمية بتاعتها… بدلة قائد طيار في القوات الجوية.
البدلة اللي كل ما أبوها يشوفها عليها، يحس إنها بتكسره من جواه.
بصتلها ثواني، وبعدها لبستها بكل فخر.
وكأنها بتلبس قوتها من جديد.
الصبح طلع…
وقاعة الفرح في “الجونة” كانت منورة بالناس والضحك والمزيكا. المعازيم متأنقين، والكاميرات شغالة، وكل واحد مستني يشوف العروسة.
أما عيلة “مريم”، فكانوا قاعدين بثقة مستفزة.
“فريد” حاطط رجل على رجل، جواه إحساس بالنصر، ومستني اللحظة اللي “إيهاب” يعرف فيها إن مفيش عروسة، فيسيب القاعة وسط الفضيحة.
و”كريمة” عاملة نفسها زعلانة قدام الناس، لكنها من جواها مرتاحة.
أما “تامر”، فكان بيضحك مع صحابه وكأنه خلص من عدو.
وفجأة…
المزيكا قطعت مرة واحدة.
وبدل أغنية الفرح، اشتغل مرش عسكري قوي هز القاعة كلها.
الناس سكتت فجأة، والعيون اتجهت ناحية الباب الكبير.
ثانية…
واتفتحت الأبواب.
ودخلت “مريم”.
بس مش بالفستان الأبيض اللي الكل مستنيه.
دخلت ببدلتها العسكرية الرسمية كاملة.
الرتب الذهبية فوق كتافها كانت بتلمع تحت النور، جزمتها العسكرية بتخبط في الأرض بثبات، وشعرها مربوط بإحكام، ونظرتها حادة وقوية بشكل خلّى القاعة كلها تتجمد.
كانت ماشية وكأنها داخلة ساحة حرب… مش فرح.
الهمس بدأ ينتشر بسرعة بين المعازيم:
“دي العروسة؟!”
“معقول داخلة كده؟!”
“يا نهار أبيض…”
أما “فريد”، فوشه قلب ألوان.
حس لأول مرة إن الناس كلها بتبص له هو… مش لها.
و”كريمة” رفعت إيدها تخبي وشها من الإحراج، لأنها أدركت إن البنت اللي حاولوا يكسروها، دخلت أقوى من أي وقت فات.
أما “تامر”، فكان واقف مصدوم، بقه مفتوح وعنيه هتطلع من مكانها، مش مستوعب إن الخطة كلها اتحرقت في ثانية.
لكن الصدمة الحقيقية…
لسه ما بدأتش أصلاً.





