قصص قصيرة

باعت كل شئ لتساعد أبناءها على التخرج

اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء

في صباح عادي، بينما كانت تكنس أمام بيتها — الذي أصبح الآن بسيطًا لكنه ملكها بعد سنوات من الادخار — طرق أحدهم الباب.

ظنت أنه أحد الجيران.

وعندما فتحت… انقطع نفسها.

رجلان طويلان، يرتديان زي الطيارين، والأنواط تلمع على صدريهما، يقفان أمامها.

— أمي… — قال أحدهما بصوت مرتجف.

كان ماركو.

وبجانبه باولو.

بزي شركة طيران.

يحملان الزهور.

والدموع في أعينهما.

وضعت يديها على وجهها.

— هل أنتما حقًا…؟

احتضنتهما وكأن الزمن لم يمضِ.

خرج الجيران من بيوتهم على صوت البكاء.

— عدنا إلى البيت يا أمي — قال باولو.

وهذه المرة… لم تكن وعدًا.

رحلة الوعد

في اليوم التالي، أخذاها إلى المطار.

كانت تمشي ببطء، تنظر حولها بدهشة.

— حقًا سأصعد؟ — سألت بخجل.

— لن تصعدي فقط — قال ماركو — اليوم أنتِ ضيفتنا الخاصة.

وبعد جلوس الركاب، أمسك ماركو بالميكروفون:

— سيداتي وسادتي، معنا اليوم على متن الطائرة المرأة التي جعلت وجودنا هنا ممكنًا. والدتنا باعت كل ما تملك لنحقق حلمنا. هذه الرحلة مُهداة لها.

عمّ الصمت في المقصورة.

ثم أكمل باولو:

— أشجع امرأة نعرفها ليست مشهورة ولا غنية. إنها أم آمنت بنا عندما لم يكن لدينا شيء.

بدأ الركاب بالتصفيق.

بعضهم كان يبكي.

كانت تيريزا ترتجف من التأثر بينما أقلعت الطائرة.

وحين انفصلت العجلات عن الأرض، أغمضت عينيها.

— أنا أطير… — همست.

لكن… لم يكن ذلك هو المقصد الحقيقي الذي أعدّه لها ابناها.

ما ستراه عند نزولها من الطائرة سيغيّر حياتها إلى الأبد…

الجزء الثاني

المفاجأة التي لم تكن تتخيلها

هبطت الطائرة بسلام.

كانت تيريزا تمسك بمقعدها من شدّة التأثر، وعيناها لا تزالان تلمعان بدموع الفرح. ظنت أن الرحلة هي المفاجأة… وأن الحلم انتهى عند هذا الحد.

لكن ماركو التفت إليها مبتسمًا:

— لسه بدري يا أمي.

عندما نزلت من الطائرة، لم يُدخلوها إلى صالة الوصول كأي راكب عادي، بل قادوها إلى مخرج جانبي حيث كانت سيارة سوداء تنتظرهم.

— إلى أين سنذهب؟ — سألت بخجل.

— إلى مكان تستحقينه من زمان — قال باولو وهو يقبّل يدها.

انطلقت السيارة مبتعدة عن المطار. كانت الطرق نظيفة، والمباني أجمل مما اعتادت رؤيته. شعرت للحظة أنها في عالم آخر.

بعد حوالي أربعين دقيقة، توقفت السيارة أمام بوابة كبيرة بيضاء.

فتح الحارس البوابة بابتسامة.

دخلوا.

كانت هناك حديقة واسعة، أشجار مزروعة بعناية، ونوافذ كبيرة تعكس ضوء الشمس.

نظرت تيريزا بدهشة.

— بيت مين ده؟

نظر ماركو إلى أخيه… ثم أمسك يدها ووضع مفتاحًا في كفّها.

— بيتك يا أمي.

تجمّدت في مكانها.

— إيه؟

— هذا البيت اشتراه ماركو وأنا باسمك. ما عاد في سقف يسرّب ماء. ما عاد في غرفة مشتركة. ما عاد في تعب بلا مقابل.

ارتجفت شفتاها.

— بس… أنا ما أحتاجش كل ده…

— احنا نحتاج، — قال باولو وهو يحاول كتم دموعه — نحتاج نشوفك مرتاحة.

دخلوا البيت.

الأرضية لامعة. المطبخ واسع. غرفة نوم مطلّة على الحديقة. وعلى الجدار، صورة كبيرة لزوجها الراحل بابتسامته الهادئة.

تقدّمت ببطء نحو الصورة.

لمستها بأصابع مرتجفة.

— شفت يا أبوهم؟… أولادك طاروا.

ثم جلست على أقرب كرسي وبكت.

لكن بكاء هذه المرة لم يكن من الألم.

كان بكاء راحة.

مفاجأة أخرى

ظنت أن هذا هو كل شيء.

لكن ماركو قال:

— لسه في حاجة.

قادوها إلى غرفة صغيرة في نهاية الممر.

فتح باولو الباب.

كانت هناك لوحة على الحائط مكتوب عليها:

“مؤسسة تيريزا التعليمية لدعم أبناء العمال”

نظرت إليهما بعدم فهم.

قال ماركو:

— فاكرة لما بابا ما.ت وما حدش وقف جنبنا؟

أومأت برأسها.

— المؤسسة دي علشان ما حدش يمرّ باللي مرينا به. كل سنة هنموّل دراسة أولاد عمال فقدوا آباءهم.

وضعت يدها على صدرها.

— باسمك يا أمي. لأنك انتي السبب في كل حاجة.

لم تستطع الكلام.

كل تلك السنوات التي شعرت فيها بالوحدة… كانت تُبنى بصمت نحو هذه اللحظة.

بعد عشرين عامًا… عادت الأم لتحلّق

في المساء، جلسوا في الحديقة.

لم تكن هناك ديون. لا خوف من الغد. لا قلق من الإيجار.

فقط أم… وولدان وفيا بوعدهما.

قال باولو وهو ينظر إلى السماء:

— فاكرة لما كنتِ تطلعي تبصي للطائرات؟

ابتسمت.

— كنت بقول يمكن واحد فيهم فيه ابني.

قال ماركو وهو يمسك يدها:

— دلوقتي يا أمي… السماء كلها تعرف اسمك.

رفعت رأسها إلى السماء، والطائرات تمرّ بعيدًا.

لكن هذه المرة… لم تكن تنظر بشوق.

كانت تنظر بفخر.

النهاية>النهاية

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى