
عمري 45 عامًا، أمٌّ مطلّقة لسبعة أطفال
قال
كنت أنتظر مكالماتكم كما ينتظر الطفل العيد. كنت أجلس قرب الهاتف ساعات طويلة ثم أنام وحدي.
خفضت ليلى نظرها بتوتر.
أما مراد، فشدّ فكه بغضب.
تابع الحاج مصطفى
عندما مرضت، لم يسأل أحد منكم عني. عندما وقعت في الشارع، لم يكن أي واحد منكم هناك.
ثم صمت لحظة قصيرة قبل أن يقول
لهذا قررت أن أترك لكم ما تركتموه لي طوال عشرين سنة.
ارتفع التوتر داخل الغرفة.
حتى إنني سمعت صوت أنفاسهم.
ثم قال بوضوح
لا شيء.
انفجرت ليلى واقفة.
ماذا؟!
وضرب مراد الطاولة بعنف.
هذا مستحيل!
أما رياض فصاح
أبي لم يكن في كامل وعيه!
لكن المحامي رفع يده بهدوء.
الرجاء الجلوس.
ثم أشار إلى الشاشة.
اقترب وجه الحاج مصطفى أكثر من الكاميرا، وكانت عيناه حادتين وواضحتين تمامًا.
قال
عقلي يعمل أفضل من ضمائركم جميعًا.
ساد الصمت.
ثم أخذ نفسًا عميقًا وأكمل بصوت أكثر هدوءًا
العائلة ليست دمًا فقط.
شعرت بشيء داخلي يرتجف.
وأنا أسمعه يقول
العائلة هي الشخص الذي يبقى معك عندما لا تملك شيئًا سوى التعب.
ثم نظر مباشرة إلى الكاميرا.
وكأنه ينظر إليّ أنا وحدي.
وقال
إلى جارتي السيدة زهرة.
شهقت دون وعي.
وأضاف
أم أولاد الفوضى.
ولأول مرة منذ عرفته
ضحك بخفة.
حتى المحامي ابتسم.
أما أنا، فبدأت دموعي تنزل بصمت.
قال الحاج مصطفى
هذه المرأة كانت تعمل ثلاث وظائف، بالكاد تجد ما تطعم به أبناءها السبعة ومع ذلك لم تتركني جائعًا ليلة واحدة.
بدأ صوتي يرتجف.
وتابع
كانت تستطيع أن تكرهني مثل الجميع. لكنّها اختارت الرحمة.
ثم خفض رأسه قليلًا قبل أن يقول
هي الوحيدة التي رأت الإنسان خلف غضبي.
امتلأت عيناي بالدموع تمامًا.
وأنا أتذكر كل ليلة
كل طبق
كل مرة فتح فيها الباب متذمرًا فقط ليخفي امتنانه.
ثم قال الحاج مصطفى الجملة التي قلبت حياتي كلها
أترك كامل ثروتي وممتلكاتي للسيدة زهرة بوزيان.
ساد
صمت ثقيل جدًا.
حتى إنني ظننت أنني لم أسمع جيدًا.
لكنّه أكمل بوضوح
الحسابات البنكية البيت والمدخرات كلها.
شهقت ليلى بقوة.
أما مراد فصرخ
هذه المرأة نصّابة!
بينما صاح رياض
سنطعن في الوصية!
لكن المحامي أخرج مجموعة ملفات سميكة وقال بهدوء
المرحوم أمضى عامًا كاملًا في تثبيت الوصية قانونيًا.
ثم أضاف
لا يمكن الطعن فيها.
كنت عاجزة عن الكلام.
أشعر كأن الأرض تميد بي.
أنا؟
امرأة كانت تخفف الحساء بالماء قبل أسبوع فقط؟
كيف يمكن أن يحدث هذا؟
لكن التسجيل لم ينتهِ بعد.
عاد صوت الحاج مصطفى
وهناك شرط أخير.
ساد الصمت من جديد.
قال
يا زهرة إذا قبلتِ الإرث، يجب أن تتركي وظائفك الثلاث.
بدأت أبكي بقوة.
أما هو، فابتسم للمرة الأخيرة وقال
أريد لأطفالك أن يشبعوا دون أن يحسبوا نصيبهم قبل الأكل..
ثم انطفأت الشاشة.
وانتهى التسجيل.
أما أنا
فجلست أبكي كطفلة صغيرة.
بعد سنة كاملة
لم يعد البيت القديم متشققًا وباهتًا.
صار مطليًا بلون أصفر دافئ يملأ الزقاق بالحياة.
وأصبح فناء الحاج مصطفى مليئًا بأصوات أطفالي وهم يركضون ويلعبون دون خوف من أحد يصرخ عليهم.
تركتُ وظائف الليل أخيرًا.
أطفالي دخلوا مدارس جيدة.
وصار لدينا طعام يكفي الجميع وأكثر.
لكن هناك شيئًا واحدًا لم يتغير أبدًا.
كل مساء
عندما نجلس حول المائدة الكبيرة لتناول
العشاء
نضع طبقًا إضافيًا.
دائمًا.
طبقًا لرجل عجوز عاش عمره يظن أن العالم كله تخلى عنه
حتى أثبت له طبق حساء صغير
أن الرحمة تستطيع إنقاذ ما تبقى من قلب إنسان.





