قصص قصيرة

وصيـة أمـي ج 1 بقـلم زهـرة الربيـع

صرخ أحمد فجأة، وكان صوته يهتز بغضب مكبوت:
— “أنا اللي بحدد إيه المخاطرة وإيه الأمان هنا! أنا راجل البيت يا فريدة! بس واضحة.. إنتي مش واثقة فيا. إنتي شايفة إني طمعان فيكي وفي فلوس أمك. طول السنة والنص خطوبة وأنا شايلك في عيني، وكنت بجري بأشعة أمك وتقاريرها الطبية من دكتور لدكتور، ويوم ما أحتاجك ألاقيكي بتعاملي الخائن اللي عايز يسرقك!”
​نزلت دموعي رغماً عني. كلامه كان يضرب أوتاراً حساسة في قلبي.
— “يا أحمد، أنا عمري ما شوفتك خاين. أنا بس بحافظ على وصية أمي. لو كنت طلبت مني أي حاجة تانية كنت عملتها. لو عايز دهبي، لو عايز…”
​توقفت فجأة عن الكلام. لمعت عينا حماتي عند ذكر كلمة “دهبي”. انتبهت لخطئي الفادح. سحبت يدي إلى الخلف غريزياً، حيث كانت الغويشتان اللتان ورثتهما عن جدتي تستقران تحت كم عباءتي. غويشتان ثقيلتان من الذهب اللازوردي القديم، عليهما نقشة وردة بلدي صغيرة من الداخل. إنهما الشيء الوحيد المتبقي لي من رائحة أمي وجدتي، شيء لا يقدر بثمن عندي.
​ساد الصمت الغرفة مجدداً. تلاقت نظرات أحمد وأمه لثانية واحدة، نظرة سريعة حملت الكثير من المعاني والدلالات التي جعلت شعوراً بالرعب يتسلل إلى أعماق قلبي.
​أحمد هدأ فجأة، وعادت نبرته الهادئة الباردة التي تخيفني أكثر من غضبه:
— “ماشي يا فريدة. طالما ده قرارك، وطالما وصية مامتك أهم من كلام جوزك ومستقبله، براحتك. بس من هنا ورايح، كل مليم في البيت ده بحساب. مصاريف البيت بالنص، وأنا مش ملزم أدفع مليم زيادة عن أكلك وشربك الأساسي. طالما ليكي ذمة مالية مستقلة وبتخافي على فلوسك مني، يبقى تشيلي نفسك.”
​استدار ودخل غرفته وأغلق الباب وراءه. وقفت مكاني مذهولة. هل هذا هو الرجل الذي قال لي ذات يوم تحت المطر: “طالما أنا عايش، متخافيش من أي حاجة في الدنيا”؟
​حماتي نظرت إليّ بنظرة انتصار لئيمة، وقالت وهي تتجه للمطبخ لتكمل عملها:
— “اللي يعيش ياما يشوف يا بنتي.. بكرة الندم يصحيكي، بس هيكون الأوان فات.”
​مرت ثلاثة أيام على تلك الحادثة. تحول البيت إلى صحراء قاحلة من الصمت والمشاعر الباردة. أحمد لم يكن يتحدث معي إلا في أضيق الحدود، وبصيغة رسمية للغاية. كان يخرج من الصباح إلى مدرسته، ويعود متأخراً بعد إعطاء الدروس الخصوصية، ليتناول طعامه الذي كانت أمه تعده خصيصاً له، بينما كنت أجلس وحدي في غرفتي، أستمع إلى صوت ضحكاتهم المكتومة في الصالة وصوت الهون الذي كانت حماتي تتعمد الدق به من الفجر لتوقظني.
​في مساء اليوم الرابع، جرس الباب رن. كانت “شيماء” أخت أحمد وبنتها الصغيرة. دخلت شيماء وهي تضع حقيبتها الكبيرة على الأريكة، ووجهها يحمل تعابير جادة ومصطنعة. كانت تضع ذلك الروج الكشمير الغامق الذي يجعل شفتيها تبدوان قاستين.
​أخذت ابنتها وجلست بجانب حماتي في الصالة. كنت واقفة في المطبخ أعد الشاي، وسمعت تودودهم المعتاد.
قالت شيماء بصوت منخفض ولكن مسموع:
— “يعني بجد يا أمي عملت كدة؟ قفلت على الفلوس في البنك ورفضت تديهم لأحمد؟ ده أحمد كان مرتب كل حاجة مع زميله والمشروع كان هيبدأ الأسبوع الجاي!”
​ردت حماتي بنبرة ممتعضة:
— “آه والله يا بنتي، كسرت كلمته قدام الموظف وبصت لنا بنظرة استعلاء كأننا شحاتين جايين نسرقها. والولد عينه مكسورة وقلبه حزين، بس ساكت ومتحمل.”
​دخلت الصالة حاملة صينية الشاي. صمتت الاثنتان فوراً. وضعت الصينية وحاولت تلطيف الجو:
— “أهلاً يا شيماء، نورتينا. عاملة إيه في الشغل؟”
​نظرت إليّ شيماء بنظرة باردة، وأخذت كوب الشاي دون أن تشكرني.
— “الحمد لله يا فريدة، ماشية. بس الصراحة يعني، أنا زعلانه منك. أحمد أخويا ده مفيش أطيب منه، واللي تعمل فيه كدة متكونش مقدرة قيمته. الفلوس بتروح وتيجي يا حبيبتي، بس الراجل السند لو خسرتيه مش هتعرفي تعوضيه.”
​تنفس بضيق شديد. الجميع هنا يتكتل ضدي لسبب واحد: لأنني رفضت التفريط في حقي.
— “يا شيماء، أحمد جوزي وعلى عيني ورأسي، بس الفلوس دي وصية أمي الله يرحمها. وإنتِ أكيد لو كنتِ مكاني وعندك وصية من مامتك كنتِ هتحترميها.”
​ضحكت شيماء بسخرية وهي تقلب الشاي:
— “أمي عايشة ربنا يخليها لينا، ووصيتها دايماً هي إننا نقف جنب رجالتنا ونستر بيوتنا. على العموم، طالما الفلوس اتربطت وبقت في أمان البنك، خلاص.. ربنا يهنيكي بيها.”
​لم تطل جلستها كثيراً. بعد أن غادرت شيماء وحماتي دخلت غرفتها للنوم، شعرت بإنقباض شديد في صدري. كان هناك شيء غير مريح في نظرات شيماء وحماتي اللتين تلاقت عيناهما أكثر من مرة أثناء الحديث.
​قررت أن أذهب إلى غرفتي لأطمئن على أشيائي الثمينة. دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفي بقفل الأمان. توجهت فوراً إلى الخزانة الخشبية الكبيرة (الدولاب). فتحت درفتها اليمنى، ومددت يدي إلى الرف العلوي حيث كنت أضع علبة مخملية حمراء قديمة (علبة قطيفة حمراء) تحت طبقات ملاءات السرير الشتوية الثقيلة المعطرة باللافندر.
​أدخلت يدي.. لم أجد العلبة في مكانها المعتاد!
​ضربت نبضات قلبي بعنف في صدري. بدأت أبحث بجنون. أزحت الملاءات كلها، ونثرت الأغطية الشتوية على السرير. لا أثر للعلبة!
هل يعقل أنني نقلتها إلى مكان آخر؟ لا، مستحيل. أنا أذكر جيداً أنني وضعتها هنا بعد وفاة أمي مباشرة ولم ألمسها منذ ذلك الحين.
​بدأت أفتش في الأدراج، تحت الملابس، في صندوق الأحذية القديم.. لا شيء. العلبة القطيفة الحمراء التي تحتوي على الغويشتين الدهب اللازوردي قد اختفت تماماً!
​أحسست بالدنيا تدور بي. الغويشتان هما ورثي الوحيد من جدتي وأمي. موديلهما قديم وثقيل، ومحفور عليهما نقشة الوردة البلدي الصغيرة. لم يكن لهما قيمة مادية فحسب، بل كانتا تمثلان قطعة من روحي.
​مسحت دموعي التي انهمرت بغزارة، وتملكني غضب عارم حل محل الخوف الشديد. من يمكنه دخول غرفتي والبحث في أشيائي الخاصة غير حماتي أثناء غيابي بالخارج؟ أو ربما أحمد نفسه؟
​توجهت إلى باب الغرفة وفتحته بعنف. كانت الصالة مظلمة إلا من ضوء خفيف ينبعث من غرفة حماتي. مشيت بخطوات مسرعة والصوت ينبض في أذني كأنه طبول الحرب. وقفت أمام باب غرفتها الموارب قليلاً، وكنت على وشك أن أطرق الباب بعنف، لكني توقفت فجأة عندما سمعت صوتاً مألوفاً بداخلها.
​كان صوت أحمد!
​لقد عاد من الخارج دون أن أشعر، وكان يجلس مع أمه في غرفتها ويتحدثان بصوت خفيض خافت.
حبست أنفاسي واقتربت بأذن واحدة من فتحة الباب لأستمع.
​قالت حماتي بنبرة خبيثة وهامسة:
— “أنا قولتلك يا أحمد، البنت دي ناشفة ودماغها جزمة، ومش هتسلم بالسهل. والشهادة خلاص اتربطت في البنك ومبقاش لينا يد عليها إلا لو هي اللي راحت بنفسها وفكتها، وده مش هيحصل. الدور والباقي على الغوايش دي.”
​سمعت صوت قعقعة معدنية مألوفة جداً.. صوت ارتطام ذهب ثقيل ببعضه! إنه صوت غوايشي! قلبي كاد يتوقف عن النبض.
​رد أحمد بصوت منخفض يحمل نبرة من التردد والضيق:
— “بس يا أمي، فريدة لو عرفت إن الغوايش مش في مكانها هتقلب الدنيا. دي بتقول عليها ريحة أمها وجدتها، ومش بعيد تروح تعمل لنا محضر سرقة في القسم وتفضحنا وسط الجيران والناس.”
​ضحكت حماتي باستهزاء وبصوت مخنوق لكي لا يرتفع:
— “محضر سرقة إيه يا واد يا خايب؟ مرتك تبلغ عن جوزها بالسرقة؟ ده كلام يدخل العقل؟ وبعدين إحنا مش هنبيعهم في العلن كدة. أختك شيماء عارضة الغوايش دي على تاجر ذهب معرفة في المول اللي هي شغالة فيه. قالها الموديل ده قديم وتقيل والذهب عيار 21 صافي، وهيجيبوا مبلغ محترم يفوق الـ 80 ألف جنيه لو اتبعوا بسعر اليوم.”
​أكملت حماتي بنبرة ملحة:
— “الـ 80 ألف دول مع شوية الفلوس اللي معاك، هتروح لزميلك وتدخل معاه شريك في المشروع فوراً وتأمن نفسك قبل ما المدير الجديد يفصلك وإحنا نتشرد في الشوارع. ولما المشروع ينجح ويربنا يرزقك، ابقى اشتري لها غوايش جديدة أحدث وأشيك من القدام دول، وقولها إنك كنت شايلهم في مكان أمان وخوفت عليهم من السرقة! أهو كدة تبقى ضربت عصفورين بحجر؛ أمنت مستقبلك، وحافظت على كرامتك قدامها.”
​ساد الصمت لثوانٍ، ثم سمعت تنهيدة أحمد العميقة المترددة:
— “مش عارف يا أمي.. الموضوع ده فيه ريسك كبير. بس الصراحة أنا حاسس إن مستقبلي بيضيع، والمدير الجديد في المدرسة حاططني في دماغه فعلاً، ولو اتفصلت مش هلاقي مليم أصرف بيه على البيت ده.”
​قالت حماتي بنبرة حاسمة كأنها تنهي الجدال:
— “خلاص يا واد، اتوكل على الله وسيب الباقي عليا وعلى شيماء. بكرة الصبح شيماء هتاخدهم وتوديهم للتاجر، والفلوس هتكون في جيبك قبل العصر.”
​كنت أقف خلف الباب، وجسدي كله يرتجف بعنف. الدموع تجمدت في عيني، وتحولت إلى نار تحرق جوفي. أحمد.. زوجي، حبيبي الذي كان يحميني من المطر، يخطط مع أمه وأخته لسرقة ورثي الوحيد المتبقي من أمي المتوفاة! يخطط لسرقة ذهبي لتمويل مشروع غامض باسم تأمين المستقبل!
​شعرت بخيبة أمل وخذلان لم أشعر بهما في حياتي قط. تذكرت لمسة يد أمي الدافئة وهي تموت، وتذكرت تلك العلبة القطيفة الحمراء التي كانت أمانة بين يدي.
​لم أعد تلك الفتاة الضعيفة المستسلمة التي تبكي وتهز رأسها. في هذه اللحظة بالذات، انكسر شيء داخلي وولدت مكانه قوة جبارة لم أكن أعلم بوجودها.
​تراجعت بخطوات هادئة وخفيفة إلى غرفتي لكي لا يشعرا بوجودي. أغلقت الباب ورائي، وجلست على حافة السرير في الظلام الطامس. كان عقلي يعمل بسرعة البرق، يرتب الأفكار ويخطط للمواجهة.
​لن أسمح لهم ببيع ذهب أمي. لن أسمح لهم بكسري وتحويلي إلى ضحية لشرائهم وجشعهم.
نظرت إلى هاتفي المحمول الذي كان يضيء في الظلام. كان متبقياً ساعات قليلة على شروق الشمس.. ساعات حاسمة ستغير مسار حياتي بالكامل.
​أمسكت بالهاتف، ووجدت رقم “عم مصطفى البواب”.. الرجل العجوز الطيب الذي صعب عليه أحمد ذات يوم في البرد وطلب مني إدخاله. ضغطت على زر الاتصال وصوتي يرتجف ولكن بنبرة حازمة:
— “ألو.. عم مصطفى؟ أنا فريدة.. عايزة منك خدمة ضرورية جداً بكرة الساعة سبعة الصبح من غير ما حد يحس…”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى