
وصيـة أمـي ج 1 بقـلم زهـرة الربيـع
الفصل الثالث والأخير: زهور لا تموت
الجزء الأول: خيوط الفجر الأولى
في تلك الليلة، لم يزر النوم جفني. كانت الساعات تمر كأنها دهور، وصوت عقارب الساعة الجدارية في غرفتي يطرق في رأسي كالمطرقة. جلست على حافة السرير والظلام يلف أركان الغرفة، بينما كان عقلي يغلي كمرجل من الأفكار والمشاعر المتضاربة. نظرت إلى يدي العاريتين، وشعرت بوحشة شديدة؛ فالغويشتان اللتان كانتا تلتفان حول معصمي وتمنحاني شعوراً خفياً بالأمان والاتصال بجدتي وأمي، قد سُرقتا. ولم تكن السرقة من غريب اقتحم الدار ليلاً، بل من الرجل الذي وافقت أن أتقاسم معه عمري، ومن المرأة التي استقبلتها في بيتي بكل ترحاب واحترام.
تذكرت الكلمات التي همس بها أحمد في أذن أمه، ونبرة التردد الخائفة التي تغلفت بالطمع. تذكرت كيف كان يتابع تقارير أمي الطبية، وكيف كان يظهر الحرص والاهتمام؛ هل كان كل ذلك مجرد استثمار طويل الأجل؟ هل كان ينتظر اللحظة التي ترحل فيها أمي ليرث معها تعبها وشقاء عمرها؟
انهمرت دموع صامتة على وجنتي، لكنها لم تكن دموع انكسار، بل كانت كالمطر الذي يغسل الأرض ليمهدها للعاصفة. تذكرت وصية أمي الأخيرة ونظرتها الحادة الحاسمة: “ماتتمدش إيدك عليها لحد.. لا إنتي ولا غيرك يلمسها”. كانت أمي، برؤيتها الثاقبة للمرأة التي صرعتها الأيام وخبرتها الطويلة، تعرف أن الزمان غدار، وأن بعض الرجال قد يرتدون أقنعة الطيبة حتى تلوح لهم فرصة الكسب.
أمسكت بهاتفي المحمول، ونظرت إلى الساعة؛ كانت تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. كنت قد اتصلت بعم مصطفى البواب قبل قليل، لكنني كنت بحاجة إلى سند أقوى، سند قانوني ورجولي يقف معي في هذه المعركة التي أصبحت معركة حياة أو موت لكرامتي. ضغطت على زر الاتصال برقم ابن خالتي “حازم”.
حازم ليس مجرد ابن خالة، بل هو محامٍ شاب ذكي، وكان بمثابة الأخ الذي لم تنجبه أمي. كان يعز أمي كثيراً ويعتبرها بمثابة والدته الثانية. رن الهاتف ثلاث مرات قبل أن يأتيني صوته ناعساً ومستغرباً:
— “ألو.. فريدة؟ خير يا بنتي في إيه؟ إنتي كويسة؟ كلماني في وقت زي ده ليه؟”
لم أستطع حبس شهقتي، فانفجرت بالبكاء، لكنني تمالكت نفسي بسرعة وقصصت عليه كل ما حدث بالتفصيل؛ بدءاً من محاولة أحمد وأمه إجباري على سحب الـ 350 ألف جنيه في البنك، وصولاً إلى المؤامرة التي سمعتها بأذني قبل قليل لسرقة غوايش أمي وجدتي وبيعها لتاجر الذهب في المول عن طريق شيماء شقيقة أحمد.
أحسست بنبرة الغضب تشتعل في صوت حازم عبر الهاتف، وصوته الناعس تحول فجأة إلى نبرة حازمة وحادة:
— “ولاد الحرام! يسرقوا ذهب خالتو الله يرحمها؟ والشهادة اللي تعبت فيها طول عمرها في الخياطة؟ اسمعي يا فريدة.. من اللحظة دي مفيش عياط. الدموع مش هترجع الذهب ولا هتحميكي. إنتي لازم تكوني قوية وتعملي اللي هقولك عليه بالظبط.”
استمعت إلى حازم بتركيز شديد وهو يشرح لي خطته خطوة بخطوة. كانت خطة ذكية تعتمد على الإيقاع بهم متلبسين دون إثارة فضيحة في المنزل قد تجعلهم يخفون الذهب أو ينكرون معرفتهم بمكانه.
قال حازم بنبرة مطمئنة:
— “أنا هكون عندك تحت البيت من الساعة ستة ونص الصبح يا فريدة. وعم مصطفى البواب هيكون معانا. نامي دلوقتي أو ارتاحي، وبكرة الصبح هما اللي هيعيطوا مش إنتي.”
أغلقت الهاتف وشعرت ببعض السكينة تتسلل إلى قلبي. وضعت الهاتف بجانبي، وظللت أنظر إلى السقف حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل من بين شقوق الشيش الخشبي لغرفتي، معلنة بداية يوم جديد.. يوم الحساب.
الجزء الثاني: الصباح الزائف
في تمام الساعة السادسة صباحاً، قمت من سريري. تعمدت أن أدخل الحمام وأغسل وجهي بماء بارد لأتخلص من آثار السهر والدموع. وقفت أمام المرآة، ورتبت شعري، وارتديت عباءة خروج كحلية بسيطة وحجاباً متناسقاً. كنت حريصة على أن أبدو طبيعية للغاية، وكأن شيئاً لم يكن.
خرجت إلى الصالة، ففوجئت بحماتي وهي جالسة بالفعل على أريكتها الخشبية، وبيدها كوب الشاي بلبن، تبدو عليها علامات اليقظة والترقب. نظرت إليّ بعينين ضيقتين تحاولان قراءة تعابير وجهي، وقالت بصوتها البحراوي الثقيل المطعم بابتسامة مصطنعة:
— “صباح الخير يا عروسة.. صاحية بدري كدة يعني؟ ده إنتي حتى النهاردة إجازة من المدرسة.”
ابتسمت لها بهدوء وقلت بنبرة عادية:
— “صباح النور يا ماما. أصل ورايا مشاوير مهمة في السوق وكنت عايزة أجيب شوية طلبات للبيت قبل ما الشمس تطلع والحر يزيد.”
في تلك اللحظة، خرج أحمد من غرفته وهو يرتدي قميصه البني القديم الذي يفضله، ويحمل حقيبته الجلدية الخاصة بالمدرسة. نظر إليّ بنظرة سريعة ثم أدار عينيه متظاهراً بالبحث عن نظارته الطبية على الطاولة. قال بصوت بارد وهو يضع النظارة على عينيه:
— “صباح الخير يا فريدة. مشاوير إيه دي اللي على الصبح؟”
رددت بنبرة هادئة وخالية من أي انفعال:
— “مشاوير عادية يا أحمد. هشتري شوية خضار وفراخ للبيت، وهعدي على البنك بالمرة عشان أستفسر عن موعد أول صرف للأرباح بتاعة الشهادة.”
لمحت لمعة غيظ في عيني أحمد عند ذكري للشهادة، لكنه كتم غيظه وتظاهر باللامبالاة:
— “براحتك.. بس متتأخريش، عشان أمي عايزة ترتاح والبيت محتاج نظام.”
التفتت حماتي إليه وقالت بدلال أمومي مبالغ فيه:
— “سيبها براحتها يا أحمد يا حبيبي.. البنت برضه بتشوف مصلحة بيتها. روح إنت مدرستك وشوف لقمة عيشك، والرب يسهل لك كل عسير.”
كانت هذه الكلمات تحمل في طياتها رسالة مبطنة لم أفهمها إلا لأنني كنت أعلم بالمؤامرة؛ كانت تريد إخراجه من البيت لكي تخلو الساحة لشيماء التي ستأتي لتستلم الذهب وتذهب به إلى المول.
أخذ أحمد حقيبته، ونظر إليّ نظرة أخيرة خالية من أي دفء، ثم غادر الشقة مغلقاً الباب وراءه.
بمجرد خروجه، اتجهت إلى غرفتي بحجة إحضار حقيبة يدي. أخرجت هاتفي ووجدت رسالة من حازم: “أنا واقف برأس الشارع في عربيتي، وعم مصطفى البواب مأمن المدخل. أول ما تخرجي تعاليلي فوراً” وبجانبها رسالة أخرى من عم مصطفى: “يا بنتي، الأستاذ أحمد نزل وركب مواصلات، وأخت جوزك الست شيماء لسه واصلة الشارع وداخلة العمارة دلوقتي”.
شعرت بنبضات قلبي تتسارع. شيماء وصلت! هذا يعني أن عملية التسليم والتسلم تجري الآن داخل شقتي، في الغرفة المجاورة مباشرة.
خرجت من غرفتي ممسكة بحقيبتي. وقفت في الصالة لثوانٍ، ورأيت حماتي تسرع نحو باب الشقة لتفتح لشيماء التي دخلت وهي تلهث وتلتفت حولها بريبة. عندما رأتني شيماء واقفة بعباءة الخروج، تجمدت في مكانها وبدا الارتباك واضحاً على وجهها المليء بمساحيق التجميل.
— “أوه.. فريدة! صباح الخير يا حبيبتي.. إنتي خارجة ولا إيه؟” قالت شيماء بصوت يرتجف قليلاً وهي تحاول إخفاء حقيبتها الكبيرة خلف ظهرها.
ابتسمت لها ابتسامة عريضة وقلت:
— “أهلاً يا شيماء، صباح النور. آه خارجة ورايا مشوار مهم كدة. خدي راحتك مع ماما، البيت بيتك.”
نظرت حماتي إليّ بنظرة تمنيت فيها لو خرجت من البيت فوراً لتخلو لهما الأجواء. قالت بنبرة مستعجلة:
— “مع السلامة يا فريدة يا بنتي، متتأخريش برة عشان الشمس.”
أومأت برأسي، وخرجت من باب الشقة. أغلقت الباب خلفي، وبمجرد أن نزلت أول درجتين من السلم، تحولت خطواتي إلى هرولة سريعة. نزلت إلى مدخل العمارة، فوجدت عم مصطفى البواب يقف ممسكاً بمكنسته البيضاء، وعيناه تلمعان بالقلق والتعاطف.
— “يا بنتي.. الأستاذة شيماء لسه طالعة فوق. خدي بالك من نفسك، وأنا جاهز لأي حاجة تطلبيها.” قال عم مصطفى بصوت خفيض.
— “تسلم يا عم مصطفى. خليك واقف هنا، وأول ما شيماء تنزل، عينيها متغيبش عنها، واعرف لي هتركب إيه بالظبط وكلمني فوراً.”
جررت خطاي بسرعة نحو رأس الشارع حيث كانت سيارة حازم الرمادية القديمة تقف في الانتظار. فتحت الباب وركبت بجانبه. كان حازم يرتدي بدلة رسمية أنيقة، ويبدو عليه التركيز الشديد وجهاز الهاتف مثبت أمامه.
— “جاهزة يا فريدة؟” سألني بنبرة قوية بثت الأمل في روحي.
— “جاهزة يا حازم. شيماء لسه داخلة الشقة حالا، وأكيد بتستلم الغوايش من حماتي دلوقتي.”
الجزء الثالث: في ممرات المول الصاخبة
لم يمر أكثر من ربع ساعة حتى رن هاتفي. كان المتصل عم مصطفى البواب.
— “يا بنتي، الست شيماء نزلت من العمارة ومعاها كيس أسود صغير حطاه جوة شنطتها الكبيرة، وطلعت على أول الشارع وركبت تاكسي أبيض.”
أخذ حازم الهاتف مني وقال بسرعة:
— “عم مصطفى، لمحت نمرة التاكسي؟ أو سمعتها بتقول للسواق رايحة فين؟”
— “يا سعادة البيه المحامي، أنا مشيت وراها كأني بنضف الشارع، وسمعتها بتقول له: ‘على المول الشهير في مدينة نصر يا سطي، من طريق النصر بسرعة’.”
— “تسلم يا عم مصطفى، الله ينور عليك.” أغلق حازم الهاتف والتفت إليّ وهو يدير محرك السيارة بمهارة: “كدة الهدف واضح. شيماء رايحة المول اللي شغالة فيه، وتحديداً لمحل الذهب اللي اتفقت معاه. إحنا هنسبقها لهناك لأننا عارفين الطريق المختصر.”
انطلقت السيارة بسرعة في شوارع القاهرة التي بدأت تزدحم بالحركة اليومية. كنت أنظر إلى الشوارع والمباني المألوفة، وأشعر بأنني أخوض معركة وجودية. الـ 80 ألف جنيه التي يطمعون فيها ليست مجرد ثمن غوايش ذهبية؛ إنها ثمن كرامتي، وثمن وصية أمي التي جاهدت من أجل أن تترك لي شيئاً يحميني من غدر الزمن.
وصلنا إلى المول الشهير قبل شيماء بعشر دقائق بفضل قيادة حازم السريعة ومعرفته بالطرق الجانبية. كان المول ما زال هادئاً في ساعاته الأولى، ومعظم المحلات تفتح أبوابها ببطء. اتجهنا مباشرة إلى الطابق الثاني حيث تتركز محلات المجوهرات والذهب.
سألني حازم وهو يمشي بجانبي بخطوات واسعة:
— “إنتي عارفة اسم المحل اللي شيماء اتفقت معاه؟ أو اسم التاجر؟”
حاولت تذكر المحادثة التي سمعتها خلف الباب:
— “شيماء قالت إن التاجر ده معرفة في المول اللي هي شغالة فيه.. وقالت إنه تاجر كبير ومحل قديم. متهيألي اسمه ‘مجوهرات الأمانة’ أو حاجة شبه كدة.. ثواني! أنا فاكرة إنها قالت مرة لـ أحمد إن صاحب المحل اسمه ‘الحاج مرسي’ وهو صديق لصاحب محل المكياج اللي هي شغالة فيه.”
بحث حازم بعينيه في لافتات المحلات المضيئة حتى استقر نظره على محل واجهته زجاجية عريضة تعرض أطقم ذهبية باهرة، ومكتوب عليه بخط ذهبي عريض: “مجوهرات الأمانة – الحاج مرسي وشركاه”.
— “هو ده المحل يا فريدة. تعالي نقف بعيد شوية بحيث نراقب المدخل من غير ما حد يشوفنا.” قال حازم وهو يسحبني خلف عمود خرساني عريض مغطى بالمرايا.
وقفنا ننتظر. مرت خمس دقائق بدت كأنها ساعات، حتى ظهرت شيماء من بعيد وهي تمشي بخطوات سريعة متوترة، تلتفت حولها بقلق وتعدل من وضع حقيبتها الكبيرة. كانت ترتدي ملابس العمل الخاصة بمحل التجميل، لكنها لم تذهب إلى محلها، بل اتجهت مباشرة نحو “مجوهرات الأمانة”.
تسللت شيماء إلى داخل المحل. من خلف الزجاج، رأينا رجلاً خمسينياً يرتدي جلباباً أنيقاً وسترة صوفية يجلس خلف المكتب الفاخر؛ إنه بالتأكيد “الحاج مرسي”. استقبلها بابتسامة ترحيبية، وأشار إليها بالجلوس على المقعد الجلدي أمام مكتبه.
— “يلا بينا يا فريدة. المواجهة بدأت.” همس حازم بنبرة ملؤها التحدي والثقة.
الجزء الرابع: سحر الحق والعدالة
دخلنا المحل بخطوات هادئة ولكن واثقة. صوت جرس الباب النحاسي الصغير أعلن وصول زبائن جدد. التفتت شيماء لتلقي نظرة سريعة، وبمجرد أن وقعت عيناها عليّ وعلى حازم بجانبي، تجمد الدم في عروقها. بهت لون وجهها، وسقطت الحقيبة الصغيرة التي كانت تخرجها من حقيبتها الكبيرة على سطح المكتب الزجاجي بضجة مكتومة.
وقفت شيماء مذهولة، وتلعثمت الكلمات في فمها:
— “فـ.. فريدة؟! إنتي.. إنتي إيه اللي جابك هنا؟ وحازم؟”
تجاهلتها تماماً، وخطوت نحو المكتب حيث كانت الحقيبة الصغيرة المصنوعة من القطيفة الحمراء تستقر على الزجاج؛ نعم، إنها علبة أمي المخملية الحمراء التي أعرفها جيداً بلمستها ونقوشها القديمة المتهالكة.
أمسكت بالعلبة بسرعة ووضعتها في حقيبتي، بينما بادر الحاج مرسي بالوقوف وهو ينظر إلينا بريبة وتساؤل:
— “خير يا جماعة؟ في إيه؟ مين حضراتكم؟ والست شيماء تقرب لكم إيه؟”
تدخل حازم فوراً، وأخرج بطاقته المهنية كـ محامٍ معتمد بالنقض، ووضعها بوقار على مكتب التاجر قائلاً بصوت قوي وصارم ملأ أركان المحل الهادئ:
— “مساء الخير يا حاج مرسي. أنا الأستاذ حازم المنياوي، محامي السيدة فريدة اللي واقفة قدامك دي. والعلبة اللي الست شيماء كانت لسه منزلاها على مكتبك حالا دي تحتوي على غوايش ذهب لازوردي ملك لموكلتي، ومسروقة من شقتها الشخصية فجر اليوم.”
انتفض التاجر واقفاً، وبدا عليه الفزع والوجل الشديدين. تجار الذهب يخافون أكثر من أي شيء آخر من تهمة “شراء أموال مسروقة” لما لها من عواقب قانونية وخيمة قد تصل إلى غلق المحل وسحب الترخيص والسجن.
— “مسروقة؟! يا فندم أنا ماليش دعوة بالكلام ده! الست شيماء جاتلي وقالت إن الذهب ده ملكها وورثاه عن والدتها وعايزة تبيعه عشان تستر نفسها وتساعد أخوها في مشروع. أنا راجل تاجر وبشتري وببيع بالحلال، ومش مستغني عن سمعتي ومحلي!” قال الحاج مرسي وهو يلوح بيديه مدافعاً عن نفسه.





