قصص قصيرة

توفي شقيقي الأكبر

انفتح الباب ببطء.

لم يدخل رجال مسلحون، ولم تقتحم الغرفة عصابة بوجوه ملثمة كما يحدث في الأفلام.

دخل رجل واحد.

في منتصف الخمسينيات، يرتدي بدلة كحلية مصممة بعناية فائقة، ويحمل بيده عصا أنيقة بمقبض فضي. كان هادئاً لدرجة تبث الرعب في الأوصال.

خلفه، وقف رجلان ضخمان بوجوه خالية من أي تعبير، سدا مخرج الباب تماماً.

سقط ملف المحامي عصام من بين يديه المرتجفتين وتناثرت أوراقه على الأرض.

أما دينا، فقد تراجعت بكرسيها إلى الخلف حتى اصطدمت بالحائط، وعيناها متسعتان برعب لا يوصف. شقيقها الذي كان ينظر إليّ باحتقار قبل دقائق، كان الآن يحاول كتم أنفاسه المذعورة.

تقدم الرجل ذو البدلة الكحلية بخطوات بطيئة، وتوقف عند رأس الطاولة.

نظر إلى الكرسي الفارغ، ثم ابتسم ابتسامة جليدية.

— طارق كان يحب هذا الكرسي… أليس كذلك؟

لم يجبه أحد.

حتى الهواء في الغرفة بدا وكأنه يرفض التحرك.

نقل الرجل نظره إلى دينا، التي كانت ترتجف كعصفور مبلل.

— السيدة دينا… أرملة طارق. أعتقد أنكِ سحبتِ 350 ألف دولار هذا الصباح؟

انتفضت دينا وبدأت تتحدث بسرعة، بصوت يقطر ذلاً:

— خذوها! خذوا كل شيء! الفلوس، الشقة، الشركة… أنا لا أعرف شيئاً! أنا مجرد زوجة! هو من ورط نفسه، أنا لا علاقة لي بأي ديون!

ضحك الرجل بخفوت.

— الفلوس؟ نحن لا نبحث عن فكة يا سيدة دينا. الـ 350 ألف دولار التي سحبتِها… عادت إلى حساباتنا في جزر الكايمان منذ نصف ساعة. ألم تتفقدي هاتفكِ؟

شهقت دينا وسحبت هاتفها بيدين ترتعشان. نظرت إلى الشاشة، وانهارت تماماً. رصيدها لم يعد صفراً فقط، بل تم تجميد كل بطاقاتها الائتمانية وحساباتها الخاصة.

تجاهلها الرجل تماماً، وكأنها لم تعد موجودة في الغرفة.

ثم التفت إليّ.

التقطت عيناه عينيّ.

كانت نظرته فاحصة، تخترقني، تبحث عن شيء محدد.

— ليلى…

نطق اسمي وكأنه يعرفني منذ سنوات.

لم أتحرك. لم أرمش. كنت أحاول السيطرة على دقات قلبي التي كانت تقرع كطبول حرب داخل صدري.

— أخي مات مقتولاً؟

سألتُ بصوت خرج أثبت مما توقعت.

ابتسم الرجل إعجاباً.

— طارق كان غبياً. طماعاً. ومقامراً فاشلاً. خسر أموالنا في صفقات وهمية ليلمع اسمه في الصحف. أعطيناه فرصة للسداد… لكنه اختار أن يهرب. ولأننا لا نترك ديناً معلقاً… كان لابد من تصفيته. نوبة قلبية… دواء بسيط يوضع في القهوة ولا يترك أثراً في التشريح.

شعرت بغصة مرة في حلقي.

أخي.

الرجل الذي أفنيت عمري لأصنع نجاحه، كان يسرق وحوشاً ليطعم غروره، ثم تركني لمواجهتهم.

اقترب الرجل مني خطوة، واستند بيديه على الطاولة، مقترباً من وجهي.

— لكن طارق فعل شيئاً ذكياً واحداً قبل أن يموت. وضعكِ أنتِ في الصورة كضامن.

— أنا لا أملك شيئاً.

قلتها ببرود.

— بل تملكين كل شيء يا ليلى.

قالها وهو يشير بعصاه نحوي.

— نحن نعرف من كان يدير الشركة حقاً. نعرف من كان يقرأ العقود، ومن كان يصلح كوارث طارق المادية. نحن نعلم أن العقل المدبر وراء كل هذا النجاح الواجهة… كان يجلس في الظل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى