قصص قصيرة

مرض مراتي حكايات زهرة

​الحقيقة والدموع

​بعد ما أمي مشيت، حماتي جريت على منال اللي كانت لسه واقفة في الممر مش مصدقة اللي حصل، أخدتها في حضنها وقعدوا يعيطوا بصوت مسموع. حمايا قعد على الكنبة، وأخد نفس طويل وحط إيده على كتفي وقال وعينه مدمعة من الفخر:

— “أنت راجل وابن أصول بجد يا أحمد، واليوم اللي ناسبتك فيه هو أسعد يوم في عمري.. تعالي يا ابني اقعد جنبى وأنا هفهمك الحكاية اللي منال مكنتش قادرة تقولها.”

​قعدت جنبه، وبدأ يحكيلي والدموع في عينه: “منال من وهي عندها 12 سنة، عملت حادثة عربية صعبة جداً، الحادثة دي أثرت على فقرات الظهر السفلية وعلى بعض الأعصاب المسؤولة عن المثانة. لفينا بيها على أكبر دكاترة في مصر، والحمد لله اتحسنت بنسبة 90%، وبقت طبيعية جداً، بس الدكاترة قالوا لنا إن مع أي توتر عصبي شديد، أو ضغط نفسي، أو خوف، الأعصاب دي بترتخي تاني ويحصل الموضوع ده مؤقتاً لحد ما تهدى. لما أنت اتقدمت لها، كانت مرعوبة تقولك ترفضها، وقالت أنا هحافظ على نفسي وأخد علاجي وهبقى كويسة.. ومكنتش تعرفإن توتر الجواز والبيت الجديد هيخلي الموضوع يرجع لها تاني بالشكل ده في أول شهر.”

​حماتي كملت وهي بتمسح دموعها: “والله يا ابني مكانش قصدنا نغشك، دي بنتنا ومفيش أرق ولا أنضف منها، بس هي كانت بتموت من الرعب والكسوف إنها تفتح معاك موضوع حساس زي ده في أول أيامكم.”

​بصيت لمنال، لقيتها بتبص للأرض وكتفاها بتهتز من كتر العياط. قلبي اتقطع عليها. قولت لحمايا وحماتي: “يا جماعة، الموضوع انتهى، ومنال في عنيا.. اتفضلوا ارتاحوا واشربوا حاجة، واليوم ده اتمسح من تاريخنا خلاص.”

​خلوة العتاب والاحتواء

​بعد ما أهلي وأهلها مشيوا والبيت هدي تماماً، الشقة بقت فاضية بس كان فيها طاقة غريبة. دخلت أوضة النوم، لقيت منال قاعدة في الأرض في الزاوية، دافنة وشها بين ركبها وحاضنة نفسها، وبتعيط بانهيار مسموع، صوت يقطع القلب.

​قربت منها بالراحة، وقعدت جنبها على الأرض.. ملمستهاش في الأول عشان متبعدش. قعدت ثواني ساكت، وبعدين مديت إيدي وشلت إيديها من على وشها بالراحة. عينيها كانت حمرة ومورمة من كتر البُكا.

​وقولتلها بابتسامة خفيفة وصوت هادي مليان حنان:

— “طب بذمتك.. بقى كل الرعب ده، وكل يوم تصحي في النجمة وتغسلي بكلور وتبهدلي إيديكي، عشان الفوطة دي؟ طب مش كنتي تقوليلي من الأول ونصحى نغسلها سوا بدل ما تشيلي الهم ده كله لوحدك يا منال؟”

​منال بصتلي بذهول، وعنيها وسعت ومكنتش مصدقة، وقالت بنبرة منكسرة وصوت مرعوب: “أنت مش قرفان مني يا أحمد؟ مش شايفني قليلة في عينك؟ مش زعلان إني كدبت عليك وقولتلك المرتبة ناشفة؟”

​أخدتها في حضني وقربتها مني جامد، وطبطبت على ظهرها وقولتلها: “أنا زعلان من حاجة واحدة بس.. إنك مشلتنيش همك، وزعلان إنك عيشتي شهر كامل في رعب وضغط عصبي بسببي، وأنتي أصلاً التوتر ده غلط عليكي. يا ستي أنا شاريِك أنتي.. شاري قلبك وأصلك ورقتك، مش شاري مرتبة وسرير. المرض ده مش عيب، ومن بكرة الصبح هنروح لأكبر دكتور مخ وأعصاب ونتابع معاه.. واليوم اللي تتعبي فيه أو يحصل كدة، أنا اللي هقوم من النجمة وأقف في الحمام وأغسل الفوطة دي بإيدي، ولا إنك تتكسري أو تدمع عينك.”

​منال فياللحظة دي رمت نفسها في حضني وفضلت تعيط.. بس المرة دي مكنش بكا خوف ولا خزي.. كان بكا راحة، كأن جبل تinternal كان على صدرها وانزاح.

​النتيجة والأيام الحلوة

​من اليوم ده، منال اتغيرت 180 درجة.. الخوف والرعب اللي كان في عينيها كل يوم الصبح اختفى تماماً وبقى مكانه أمان وثقة. وحبها ليا زاد لدرجة ملوش وصف، بقت بتخدمني برمش عنيها.

​بدأنا رحلة العلاج فعلاً، وروحت معاها للدكتور، وطمننا جداً وقال إن مجرد إحساسها بالأمان والراحة النفسية معاك هو نص العلاج. ومع الأيام، والهدوء والحب اللي حوطتها بيه، بدأت تتحسن بشكل مش طبيعي، وبقت تقوم الصبح سليمة تماماً والموضوع اختفى ومبقاش يرجع خالص.

​أمي عرفت قيمتي وعرفت إن ابنها راجل بيعرف يصون عرضه ويحمي بيته، ومع الوقت رجعت علاقتنا طيبة بس بحدود، ومبقتش تحط مناخيرها في خصوصياتنا تاني أبدًا.

​أنا اتعلمت من الموقف ده إن البيوت متبنيش على الحاجات الظاهرة بس، البيوت بتتبني على الستر والرحمة.. وأنا الحمد لله ربنا كرمني وجبرت بخاطر مراتي، وهي عاشتعمرها كله بتجبر في خاطري وتصون اسمي.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى