قصص قصيرة

امي قصت شعري سما سامح

معايا.
إهاناتها قدام زمايلي.
تفتيشها لأغراضي.
تحكمها في لبسي وشكلي.
حتى وهي نايمة في أوضتي رغم إن قوانين السكن كانت بتمنع وجود أي شخص خارجي لأكثر من يومين.
خلال الأسبوع التالي جمعت تسجيلات وصور ورسائل قديمة كانت باعتاهالي على مدار سنين.
رسائل كلها أوامر وتهديدات.
هحلقهولك غصب.
إنتِ ملكي طول ما أنا عايشة.
مش هسيبك تبقي زي البنات التانيين.
كنت لأول مرة في حياتي بجمع أدلة.
مش علشان أنتقم.
علشان أتحرر.
وفي صباح يوم الإثنين، دخلت مكتب مشرفة السكن.
حكيت كل حاجة.
في البداية افتكرت إني هتعتبرها مشكلة عائلية عادية.
لكن لما سمعت التسجيلات، اتغير وشها.
ولما عرفت إن أمي عايشة في السكن بشكل مخالف للقوانين من أسبوعين، استدعت الإدارة فورًا.
بعد ساعات قليلة، دخل الأمن الجامعي.
وأمام عشرات الطلبة.
طلبوا من أمي مغادرة المبنى.
جن جنونها.
صرخت.
اتهمتني بالجحود.
قالت إني بنت عاقة.
لكن للمرة الأولى…
لم أعتذر.
ولم أبكِ.
وقفت فقط أراقبها وهي تُجبر على جمع حقائبها.
وأثناء خروجها التفتت لأبي الذي كان قد وصل بعد استدعائه.
وقالت بغضب
هتسيبهم يعملوا فيا كده؟
ولأول مرة في حياتي…
رفع أبي رأسه.
وقال بهدوء
كفاية يا أمينة.
ساد صمت غريب.
حتى أنا لم أصدق ما سمعته.
ثم أضاف
ضيعتي عمر بنتنا وهي خايفة منك.
وانصرف.
بعدها بأيام عاد أبي إلى القاهرة.
لكن قبل سفره أعطاني ظرفًا قديمًا.
وقال
افتحيه بعد ما أمشي.
داخل الظرف وجدت عشرات الصور.
صور لي وأنا صغيرة.
بشعر طويل.
عمري وقتها ثلاث وأربع سنوات.
تجمدت في مكاني.
عندما عاد أبي للرد على اتصالي، أخبرني الحقيقة التي أخفاها سنوات.
أمي لم تكن تحلق شعري بسبب النظافة.
ولا بسبب الدين.
ولا بسبب التربية.
كانت تفعل ذلك بسبب غيرة مرضية.
لأن الجميع كانوا يعلقون على جمال شعري وأنا طفلة.
وكانوا يقولون إنني أشبه خالتي الراحلة أكثر منها.
ومع الوقت تحولت الغيرة إلى هوس بالسيطرة.
جلست ساعات أبكي.
ليس بسبب الشعر.
بل لأن عمري كله بُني على كذبة.
مرت الشهور.
بدأ شعري ينمو.
سنتيمترًا بعد سنتيمتر.
وتعرفت على أصدقاء حقيقيين لأول مرة.
وفي نهاية العام الدراسي حدث شيء لم أتوقعه.
أعلنت الجامعة مسابقة كبيرة للتصوير الفوتوغرافي بعنوان الحرية.
تقدمت بصورة واحدة فقط.
صورة جانبية لرأسي.
نصفها بشعر قصير بدأ ينمو.
والنصف الآخر انعكاسه في المرآة.
وراء الصورة كتبت جملة واحدة
أحيانًا لا تكون الحرية في أن تصبح شخصًا جديدًا… بل في أن يُسمح لك أخيرًا بأن تكون نفسك.
فازت الصورة بالمركز الأول.
وعندما صعدت إلى المسرح لاستلام الجائزة، كان الحضور كله يصفق.
وفي الصفوف الخلفية رأيت أبي واقفًا.
يبكي.
ويبتسم.
بعد عامين تخرجت.
وبعد ثلاثة أعوام افتتحت أول معرض تصوير خاص بي.
أما أمي؟
فحاولت مرات كثيرة العودة إلى حياتي.
لكن هذه المرة كانت هناك حدود.
حدود لم أسمح لأحد بتجاوزها.
وفي يوم افتتاح المعرض، وقفت أمام أكبر صورة علقتها على الجدار.
كانت صورة لفرشاة الشعر الصغيرة التي أخفيتها تحت المرتبة يومًا ما.
الفرشاة التي اشتريتها عندما كان لدي بضعة شعيرات فقط.
ابتسمت.
لأنني أدركت أخيرًا شيئًا مهمًا.
أمي لم تخسر شعري.
هي خسرت ابنتها يوم قررت أن تملكها بدل أن تحبها.
وكان ذلك آخر يوم سمحت فيه للماضي أن يتحكم في مستقبلي.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى