
سلفتي بعتتلى كيس لحمة كبير
قفلت السكة من غير ما أرد عليها. المطبخ اللي كنت واقفة فيه طول النهار بقى فجأة زي مكان غريب ومخيف. عيني اتسمرت على درج الملاعق. الخطوات بيني وبينه كانت كأنها أميال، وقلبي كان بيدق في صدري زي طبول الحرب.
مديت إيدي المرتعشة، وفتحت الدرج ببطء. وسط الملاعق والشوك، كان قابع هناك… الظرف البلاستيك الصغير، لونه أسود ومقفول بلصق شفاف تقيل، وحجمه مش أكبر من كف الإيد، بس كان تقيل بشكل غريب.
مسكته، صوابعي كانت بتترعش وأنا بقلبه في إيدي. مكنش فيه لحمة، كان جواه حاجة ناشفة، مربعة، ومحشوة بحاجة تانية زي البودرة أو الورق الملفوف جامد. في اللحظة دي تليفوني رن تاني، كانت سلفتي مي.
رديت بسرعة وصوتي رايح
أيوه يا مي…
إنتِ لسه معايا؟ جوزك كلمك؟ أنا مش قادرة أقعد على بعضي، حاسة إننا دخلنا في مصيبة!
مي… الظرف معايا… وقع مني وأنا بحط اللحمة في التلاجة، وحطيته في درج الملاعق من غير ما أخد بالي.
شهقت بصوت عالي يالهوي! أوعي تكوني فتحتيه! حماتك كانت قالبة الدنيا الصبح وبتقولي لو الكيس جرى له حاجة هخرب بيتك وبيت أخو جوزك!
طب هو فيه إيه يا مي؟ حماتي مخبية إيه؟ وجوزي ماله مرعوب كده ليه؟ وليه كانت عايزاني أنا بالذات اللي أشيله في الفريزر ومن غير ما جوزي يشوفه؟
معرفش يا حبيبتي، معرفش! بس اسمعي كلامي، خبيه في مكان أمان لحد ما نشوف الرعب ده آخره إيه.
قفلت مع مي، وبصيت للظرف. الفضول كان بياكلني، والشكوك بدأت تروح وتيجي في دماغي. حماتي بتعمل عمل؟ طب ليه تحطه في فريزري أنا؟ وعايزة تخبيه عن ابنها ليه؟ مكنتش قادرة أستنى. قعدت على كرسي المطبخ، وبأظافري بدأت أقطع اللصق الشفاف ببطء.
أول ما فتحت طرف الظرف، وقعت منه ورقة مطبقة كذا تطبيقة، وجواها مفتاح صغير قديم، وكمان كيس شفاف أصغر جواه بودرة بيضا!
مسكت الورقة وفردتها، كانت مكتوبة بخط إيد مهزوز، خط حماتي! بدأت أقرأ الكلام المكتوب، وعيني بتوسع من الصدمة والذهول
إلى من يهمه الأمر… لو جرالي حاجة، أو لو ابني طارق حاول يعمل فياحاجة، المفتاح ده بتاع الخزنة القديمة اللي في بيتي القديم، وجواها العقود الحقيقية بتاعة الأراضي والمحلات اللي طارق خلاني أمضي عليها بالتنازل تحت التهديد. والبودرة دي هي السم اللي كان بيحطهولي في الشاي كل يوم عشان يخليني عيانة ومش قادرة أتحرك ولا أتكلم… أنا بعت الحاجة دي لمراته عشان عارفة إن طارق مش هيشك فيها، وعشان لو حصلي حاجة، مراته تلاقي الورق ده وتجيبلي حقي من ابن الصُلب اللي قسى عليا…
قريت الكلام وجسمي كله تلج. طارق؟ جوزي؟ السند والأمان؟ يطلع بيسم أمه وعايز ياخد أكلادها وعقودها؟ الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس. اتذكرت الشهور اللي فاتت لما كانت حماتي تعبانة جداً وطارق كان بيصرخ ويقول محدش يزورها عشان راحتها، وكان هو اللي بيصرخ لو حد دخلها المطبخ أو عملها أكل.
وفجأة… سمعت صوت مفتاح بيتحرك في باب الشقة!
قلبي سقط في رجليا. طارق رجع!
بسرعة البرق، لميت الورقة والمفتاح وكيس البودرة ورجعتهم جوه الظرف الأسود، وبأقل من ثانية حشرت الظرف في جيب روب المطبخ اللي كنت لابساه، وقبل ما أقفل درج الملاعق، كان طارق واقف على باب المطبخ.
وشه كان أصفر زي الليمونة، وعرقه سايح، وعينيه زي المجنون بتدور في كل ركن في المطبخ. بصلي بنظرة غريبة، نظرة عمري ما شفتها فيه قبل كده، وسألني بصوت حاد ومتحشرج
إنتِ واقفة كده ليه؟ وبتعملي إيه في الدرج ده؟
حاولت أجمع ثباتي الانفعالي وأبين طبيعية مفيش يا طارق… كنت بشيل الملاعق المعسولة. إنت جيت؟ عملت إيه مع مامتك؟ والكيس راح فين؟
قرب مني خطوتين وعينيه لسه بتفحص المطبخ الكيس ملوش أثر عند أمي… أمي بتقول إنها معرفش عنه حاجة، بس أنا متأكد إن الكيس ده كان جواه حاجة تانية. إنتِ… إنتِ لما فضيتي اللحمة، وقع منك حاجة؟
بلعت ريقي وبصيت في عينيه مباشرة حاجة زي إيه يعني؟ أنا مسكت الكيس الكبير وحطيته في التلاجة زي ما هو، وإنت جيت أخدته… أنا ملحقتش أفتح الأكياس الصغيرة اللي جوه يا طارق. هو في إيه بالظبط؟ رعبتني!
طارق مسك راسي بإيديه وهو بيتنفخ بعصبية
مفيش! مفيش زفت! أمي دي حكايتها حكاية… أنا رايح مشوار وراجع بسرعة.
سابني وخرج، وسمعت هبذة باب الشقة وراه كأنها زلزال. قعدت على الأرض وأنا بنهج، طلعت الظرف من جيبي وبكيت بحرقة. أنا عايشة مع مجرم؟ مع واحد كان مستعد يقتل أمه عشان الفلوس؟
مكنش قدامي غير حل واحد. اتصلت ب أحمد، أخو طارق الكبير وجوز سلفتي مي. أحمد راجل عاقل وبيخاف ربنا وعمره ما كان طماع زي طارق.
ألو… أيوه يا أحمد، اسمعني كويس ومن غير ما تقاطعني، ومن غير ما طارق يعرف… إنت ومي تيجوا عندي الشقة حالا، أمه في خطر، وإحنا كلنا في خطر.
بعد نص ساعة، كان أحمد ومي عندي. قفلنا الباب، وطلعتلهم الظرف، وحطيت الورقة والمفتاح والبودرة على الترابيزة. أحمد قرا الورقة، وشفت ملامح وشه بتتغير من الزهو للغضب العارم. عروق رقبته برزت وضرب الترابيزة بإيده
أخويا؟ طارق يعمل كده في أمي؟ يطعمها سم عشان العقود؟ يا ويله مني… يا ويله من ربنا!
مي كانت بتعيط وتلطم على وشها
يامصيبتي… يامصيبتي! دايما كنت أقول لطارق عينك مش مليانة، بس توأم لدرجة تقتل أمك؟
أحمد بصلي وقال وعينيه فيها شرار
المفتاح ده معايا، والبودرة دي هاخدها وأروح لمعمل تحاليل فوراً، والورقة دي هتشال في مكان أمان. يا هناء اسمي، إنتِ مش هتبيني لطارق أي حاجة… خليه يحس إنك مش عارفة حاجة خالص لحد ما أمن الصندوق وأجيب العقود، ونواجهه كلنا مع بعض وأمي معانا.
هزيت راسي بالموافقة وأنا ميتة من الرعب. أحمد ومي أخدوا الحاجه ومشيوا. ومرت الساعات كأنها سنين، لحد ما الساعة بقت اتنين بالليل وطارق رجع.
دخل الشقة وكان هادي بزيادة، هدوء مرعب. قعد على السرير وبصلي وقال
هناء… إنتِ بتحبيني يا هناء؟
قلبي كان هيقف بس قاومت أكيد يا طارق، إيه السؤال ده دلوقتي؟
طب لو طلبت منك شهادة حق لو حصل حاجة لأمي… هتقفي معايا؟
حسيت إن السم بدأ يعمل مفعوله النهائي وأمه بتموت! حصل إيه لأمك يا طارق؟! انطق!
مفيش… التعب زاد عليها شوية، وأخويا أحمد وداها المستشفى من ساعة… الدكاترة بيقولوا هبوط حاد وتسمم في الدم.
في اللحظة دي، تليفون طارق رن. فتحه وجاله صوت أحمد، بس مكنش صوت عياط، كان صوت قوي وثابت
طارق… إنت فين؟
أنا في البيت يا أحمد… أمي عاملة إيه؟ طمني!
أمي غسلوا معدتها ولحقوها يا طارق… والتحاليل طلعت، وعرفنا نوع السُم اللي كان في دمها. ودلوقتي إحنا واقفين في بيتها القديم، ومعانا العقود اللي إنت سرقتها… والشرطة معايا يا أخويا. لو عايز تستر نفسك، تعالى على المستشفى حالا قبل ما البلاغ يتقدم رسمي!
التليفون وقع من إيد طارق. بصلي ونظراته كانت كلها غدر وجنون
إنتِ… إنتِ اللي لقيتي الظرف! إنتِ اللي وديتيني في داهية!
قرب مني ومسكني من رقبتي وبدأ يضغط بكل قوته، كنت حاسة بنفَسي بيضيع وأنا بحاول أزقه، وفجأة… الباب اتكسر ودخل أحمد ومعه اتنين من رجال الشرطة اللي كانوا مراقبين طارق بعد ما أحمد قدم البلاغ الأولي بالتحاليل!
شدوا طارق من عليا وكلبشوا إيديه وهو بيصرخ ويشتم زي المجنون، ويبصلي بنظرات حقد عمري ما هنساها.
بعد مرور شهر…
قاعدة في بيت حماتي، اللي صحتها بدأت ترجع تدريجياً بعد ما السم طلع من جسمها. أحمد ومي كانوا قاعدين جمبي، وحماتي ماسكة إيدي وبتبكي
سامحيني يا بنتي… أنا حطيتك في خطر، بس كنت عارفة إن طارق بيموتني بالبطيء، ومكنتش قادرة أتكلم قدام أخوه من غير دليل، ولما جاب اللحمة، حشرت الظرف فيها وقولت ل مي تديهولك لإني عارفة إنك أمنية وطاهرة، ومكنتش أعرف إن طارق هيق Use ذكائه ويشم خبر.
بوست إيدها الحمد لله يا ماما إنك بخير… ربنا نجانا كلنا من شره، والحمد لله إن الحق رجع لأصحابه.
طارق دلوقتي ورا القضبان بيقضي عقوبته بتهمة الشروع في قتل أمه والتزوير والسرقة، وأنا طلبت الطلاق وربنا نجاني من جوازة كانت ممكن تنتهي بيا مقتولة في يوم من الأيام.
القصة مش قصة كيس لحمة… القصة إن ربنا بيسبب الأسباب عشان يظهر الحق، ولو كان مستخبي في أبعد مكان… حتى لو كان في درج الملاعق.
تمت بحمد الله.
اذكرو الله وصلو علي النبي وبلاش ثقة عمياء في حد مهما كان قريبه





