قصص قصيرة

تنظيف الشقه

عليا لما أعيش وأموت مش هعرف أردها.
كمل حسين كلامه بكل حسم وصرامة
من أول الشهر ده، هتوصلك إ حوالة شهرية باسمك أنتِ يا سعاد، مبلغ ثابت مش هيتقطع أبداً طول ما أنا حي على وش الأرض. ده مش حسنة ولا عطف، ده حقك وحق عيال أخويا اليتامى عليا، ومكان أبوهم اللي مات. هتاخدي ماهيتك مرفوعة الرأس، وتصرفي على عيالك وتعلميهم أحسن تعليم، ومحدش يقدر يبصلك بنص عين ولا يسمعك كلمة تجرحك.
سعاد بلعت دموعها وقالت ونفسها مقطوع من التأثر
وأميرة يا حسين؟ أميرة هزأتني في بيتها وقالت لي كلام يكسر أي بيت.
رد حسين بنبرة ملبانة غضب ووعيد
أميرة دي حسابها معايا أنا.. قسماً بالله لأعرفها مقعدها صح، ولأخليها تعرف إن الله حق. مش حسين اللي يتنسى أصله، ولا حسين اللي يسيب مرات أخوه تتهان في بيته. أنا هطلبها حالاً، وهسمعها كلام يخليها تلف حولين نفسها، وهجبرها تيجي لحد عندك في بيت أمي، تبوس على رأسك وتعتذر لك قدام أمي كلها، وتاخدي حقك المادي والمعنوي تالت ومتالت، وإلا يمين طلاق ما تقعد لي في بيت ولا تفضل على ذمتي لحظة واحدة!
سعاد حست بغصة الوجع بتبدأ تروح، ورجلها اللي كانت بترتعش ثبتت على الأرض. الحاجة فاطمة ابتسمت برضا، وهزت رأسها وهي بتسبح.
كمل حسين كلامه
سعاد.. جهزي نفسك بكرة الصبح، هبعتلك مصاريف فورية تحوليها من البنك باسمك، تجيبي للعيال كل اللي نفسهم فيه، وتشتري كل طلبات البيت. وأي حاجة تنقصك، تطلبيها مني أنا شخصياً، ورقمي ده يفصل معاكي طول العمر. أنتِ أختي الكبيرة ومرات الغالي، وعيالك عيالي.
قفل حسين السكة بعد ما طمئن سعاد وحلف يمين إنه ينصفها. سعاد قعدت على الحصيرة، نزلت دموعها بس المرة دي كانت دموع راحة، دموع كرامة ردت لها بعد ما كانت مكسورة ومتهانة. بصت للحاجة فاطمة وقالت
ربنا يخليكي ليا يا حاجة.. لولاكي كان حقي ضاع وأنا مكسورة.
الحاجة فاطمة حطت إيدها على رأس سعاد وقالت
الحق ما بيضيعش يا بتي طول ما وراه مطالب.. وقوة يتيم ربنا ما بيسيبهاش. قومي املي وشك ميه، وروحي لعيالك مرفوعة الرأس، والنهارده الفرج جه.
في نفس الوقت، في الشقة فوق.. كانت أميرة قاعدة في الصالة، حاطة رجل على رجل، ومسكة التليفون بتتفرج على الفيديوهات ومبسوطة إنها نضفت الشقة ببلاش تقريباً، ومكسرة خاطر سعاد. فجأة، رن تليفونها.. بصت على الشاشة لقت اسم حسين.
ابتسمت وقالت بدلع وهي بترد
ألو.. أهلاً يا حسين، إيه المفاجأة دي؟ أخيرا افتكرت ترن؟
بس الصوت اللي جيلها من الناحية التانية ما كانش صوت حسين الدلع ولا الهادي.. كان صوت بركان ينفجر، صوت حسين وهو بيصرخ فيها بنبرة ترعب
يا زبالة! يا قليلة الأصل والتربية! أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تدوسي على مرات أخويا وتعايريها بفقرها وتستغلي ظروفها؟!
أميرة اتخضت وقامت وقفت والتليفون هيقع من إيدها، وشها أصفر وزرّق في ثانية
حسين؟! في إيه؟ مين قالك الكلام ده؟ هي سعاد راحت اشتكت لك؟
حسين صرخ فيها بغل
سعاد أنضف منك ومن أهلك! سعاد مرات الراجل اللي أكلني وشربني وعملني راجل! أنتِ نسيتي نفسك يا أميرة؟ نسيتي إن الفلوس اللي بتصرفيها دي من خير أخوه؟ تشغليها تلات أيام وتديها 600 جنيه وتقولي لها بتشحتي؟! وحياة جزمة محمود الله يرحمه، لو ما نزلتِ دلوقتي حالا على بيت أمي، وتبوسي على جزمة سعاد وتعتذري لها قدام أمي وتديلها حقها كامل، ليكون ورقتك واصلة لبيت أهلك قبل ما الليل يليل، ولا تصرفي جنيه واحد من الفلوس اللي ببعتها تاني!
أميرة أكلت شفتيها من الخوف والذهول، دموع الرعب نزلت من عينها وهي حاسة إن بيتها بيتخرب وعرشها بيتهد في ثانية
يا حسين استهدى بالله.. أنا ما قصدتش، أنا
حسين قاطعها بصوت قاطع زي السيف
ولا كلمة! قدامك نص ساعة.. تنزلي بيت أمي، وتراضيها، وتديلها ألفين جنيه تحت رجلها، وتعتذري لها كلمة كلمة.. وإلا انسى إن ليكي راجل اسمه حسين!
قفل حسين السكة في وشها، وساب أميرة واقفة في وسط الصالة الشقة النظيفة المعطرة، بس قلبها كان بيموت من الخوف والكسرة. عرفت إن الله حق، وإن دعوة المظلوم واليتيم ملهاش حجاب، وإن سعاد اللي كانت فاكراها ضعيفة وملهاش حد، وراها ضهر وسند ما يتهزش.
نزل أميرة السلم وهي بترتعش، وخطواتها ثقيلة، رايحة لبيت العيلة وهي عارفة إنها هتدفع ثمن الافتراء والظلم، وإن سعاد وعيالها خلاص.. حقهم جيلهم مرفوع الرأس.
الجزء الثالث
وقفت أميرة على باب شقة الحاجة فاطمة وهي حاسة إن السلم نفسه بيميد بيها. جبهتها عرقانة، وإيدها المفروضة على طرف الطرحة بترتعش وهي بتمسح دموع الرعب. كانت متعودة تنزل البيت ده وهي رافعة رأسها، تتبغدد بفلوس الخليج وتتكلم بمنظار، بس المرة دي نازلة وكسرتها سبقاه.
خبطت على الباب خبطة خفيفة، خائفة، كأنها خائفة من الصوت نفسه.
جوة الصالة، كانت سعاد قاعد جنّب الحاجة فاطمة، بتمسح دموعها بمهل، والحاجة فاطمة ماسكة سبحتها وبتتمتم بالدعاء. أول ما الباب اتخبط، الحاجة فاطمة بصت لسعاد وقالت بصوت ثقيل
قومي افتحي يا سعاد.. قومي وشوفي الفرج وهو داخلك مرفوع الرأس.
سعاد قامت ببطء، فتحت الباب.. أول ما العيون اتلاقت، أميرة نزلت عينها في الأرض على طول، وشها كان أصفر زي الليمونة المعتورة، وصوتها طلع بالعافية، مخنوق بالدموع
سعاد أنا أنا آسفة يا أختي.
الحاجة فاطمة صرخت من جوة وهي قاعدة على الدكة
ادخلي جوة يا بت! الكلام ده ما يتقالش على العتبة.. ادخلي انظري إيد ورأس مرات أخو جوزك اللي استقليتي بيها واستغليتي يتاماه!
دخلت أميرة الشقة بخطوات مكسورة، رجليها مش شايلها. قربت من سعاد، وحاولت تمسك إيدها عشان تبوسها، بس سعاد سحبت إيدها بهدوء وعزة نفس، وقالت وهي باصة في عينها بثبات
أنا مش عاوزة بوس إيدين ولا راس يا أميرة.. أنا مش خدامة عشان تزليني، ولا شحاتة عشان ترمي لي القرشين وتصرخي في وشي. أنا دخلت بيتك بدراعي عشان أطعم عيال أخو جوزك من حلال، لكن أنتِ استكبتي وتكبرتي.
أميرة قعدت تبكي بحرقة، وطلعت من شنطتها رزمة فلوس، وحطتها على الترابيزة الخشب قدام الحاجة فاطمة
والله ما كنت أقصد يا حاجة.. حسين اتصل بيا وكان حايطلقني ويرميني في الشارع. ادي الفلوس اهي.. الفين جنيه زي ما حسين قال، وعليها يمين طلاق إني ما ألمس قرش من اللي بيبعته غير لما سعاد تاخد ماهيتها وزيادة.
الحاجة فاطمة بصت للفلوس بقرف، وبعدين بصت لأميرة وقالت
الفلوس دي مش حسنة منك.. دي حقها وعرق جبينها في سحلة التلات أيام، وحق عيال محمود اللي نسيتيهم. والفلوس دي مش هي اللي هتغسل قلة أصلك.. اللي هيغسله إنك تعرفي مقعدك كويس، وتعرفي إن بيت العيلة ده له رب يحميه، وإن سعاد دي خط أحمر.. لو سمعت منك كلمة تجرحها تاني، أو شوفتك تبصي لها بقلة قيمة، قسمًا بالله لأخلي حسين يكتب الشقة دي باسم عيال أخوه، ويرميكي لبيت أهلك بشنطة هدومك!
أميرة هزت رأسها بالوافقة وهي بتبكي ومش قادرة ترد، كرامتها اللي كانت بتبني فيها بالافتراء أتدكت في لحظة تحت رجليها. بصت لسعاد وقالت بصوت متقطع
سامحيني يا سعاد.. عشان خاطر العيال اليتامى وعشان خاطر المرحوم.
سعاد بصت لها بنظرة طويلة.. نظرة فيها وجع السنين والكسرة، بس كان فيها كمان سامح القوي اللي أخد حقه. اتنهدت سعاد وقالت
الله يسامحك يا أميرة.. المسامح ربنا، بس الدرس ده ما تنسيهوش. العيال اليتامى دول مالهمش غير ربنا وعمهم، والقرش اللي يدخل بيتك ومفيهوش بركة دعوة غلبان، بيتحرق ويحرق صاحبه.
خرجت أميرة من البيت جارية على السلم كأنها هربانة من فضيحة، وسابت الفلوس على الترابيزة.
سعاد بصت للورقيات المالية، وبعدين بصت للحاجة فاطمة، وقالت بابتسامة مكسورة
أنا مش عاوزة ده كله يا حاجة.. أنا كنت عاوزة كر أمتي بس.
الحاجة فاطمة مسكت إيد سعاد وضمتها
وده حقك يا بتي.. خدي فلوسك، وروحي لعيالك، وانزلي هاتي لهم كل اللي نفسهم فيه. حسين اتصل بالبنك وبيحول لك ماهية شهرية ثابتة باسمك أنتِ، من بكرة الصبح تنزلي تسحبيها مرفوعة الرأس.
رجعت سعاد شقتها القديمة في الحارة.. الشقة اللي كانت دايماً ضلمة وساكتة. فتحت الباب لقت عيالها الصغار، أحمد ومنى، قاعدين على الأرض بيلعبوا بِلَعَب قديمة ومكسرة، وعلى وشهم أثر الفقر والانتظار.
أول ما شافوها، أحمد قام يجري عليها
أمي! جيتي؟ جبتي لنا أكل يا أمي؟
سعاد اترمت على الأرض وضمتهم هما الاثنين في حضنها، وبكت.. بس المرة دي كانت دموع فرح وأمل. باست رؤوسهم وقالت
جبت لكم كل خير يا عيالي.. حقكم جيلكم لحد عندكم، وأبوكم الله يرحمه نام مرتاح النهاردة.
عدت الأيام، والحال اتغير تماماً. التحويل الشهري من حسين بقى يوصل لسعاد في ميعاده كل أول شهر. قدرت تسدد ديونها القديمة، تشتري للعيال هدوم جديدة للمدرسة، وتملى البيت أكل وخير. وأميرة فوق، بقت تنزل السلم وهي حاطة رأسها في الأرض، كل ما تشوف سعاد تتمنالها الرضا وتتحاشى تتكلم معاها إلا بأدب وشديد الاحترام.
بس الهدوء ده ما طولش..
بعد ست شهور، وفي يوم جمعة، يرن تليفون سعاد.. كان رقم حسين من السعودية.
ردت سعاد بسرعة
أهلاً يا حسين يا أخويا.. عامل إيه وصحتك إيه؟
صوت حسين جيلها المرة دي مش غضبان، بس كان فيه نبرة تعب وإرهاق شديد، نبرة واحد شايل حمول جبال على ضهره
أنا بخير يا سعاد.. الحمد لله. طمنيني عنك وعن العيال؟ أمانة عليكِ التحويل بيوصلك مظبوط؟
ربنا يخليك ويطول في عمرك يا حسين.. بيوصل ومستورين وأحسن كرم من ربنا ومنك. العيال بيدعولك في كل صلاة.
حسين سكت شوية، وسعاد حسّت إن فيه حاجة مش مظبوطة في نبرة صوته. كمل حسين بكلام هادي ومتردد
سعاد.. أنا نازل مصر أسبوعين إجازة.
سعاد فرحت وقالت
تنور بيتك وأمك يا خويا! الحاجة فاطمة هطير من الفرحة، ده بقالك تلات سنين ما نزلتش!
حسين اتنهد تنهيدة طالعة من قاع صدره وقال
أنا نازل يا سعاد.. بس مش نازل إجازة وبس. أنا نازل عشان فيه موضوع كبير لازم يتحسم، ومفيش حد أثق فيه يقف جنبي وينصحني بالحق غيرك أنتِ وأمي.
سعاد استغربت وقالت بقلة صبر
خير يا حسين؟ خير يا أخويا في إيه؟ أميرة عملت حاجة تاني؟
رد حسين بنبرة ملبانة مرار وكسرة
أميرة؟ أميرة دي طلعت أقل مشكلة عندي يا سعاد.. أنا اكتشفت حاجة عن الشغل وعن الفلوس اللي كنت ببعتها هنا طول التلات سنين اللي فاتوا.. حاجة تهد البيوت وتخرب العائلات. أنا نازل وفي إيدي أوراق وقضايا.. ولازم الكل يتجمع في بيت أمي أول ما رجلي تطأ المطار.
سعاد حطت إيدها على قلبها وهي حاسة إن فيه عاصفة جديدة جاية في الطريق، عاصفة مش هتسيب حد في بيت العيلة إلا وتهزه..
الجزء الرابع
نزلت كلمة حسين على قلب سعاد زي

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى