
كل يوم
كل درجة كانوا ينزلوا فيها، كان الهواء أبرد.
وفي النهاية وصلوا إلى ممر تحت الأرض.
كان فيه باب حديدي ضخم.
وفوق الباب لوحة صغيرة مكتوب عليها
17
كريم همس
إحنا رجعنا لنفس الرقم.
الحاجة ليلى مدت إيدها نحو الباب.
لكن قبل ما تلمسه…
سمعوا صوتًا من الداخل
ماما.
ليلى شهقت.
الصوت تابع
لو إنتِ فعلًا جيتي مع الشرطة… افتحي.
أحمد نظر للرجل الغامض.
الرجل قال
افتحي.
إنت متأكد؟
المرة دي… أيوه.
أحمد أعطى الإشارة.
فتح أحد الضباط الباب ببطء.
الغرفة كانت مظلمة.
لكن في المنتصف كان هناك جهاز تسجيل يعمل.
اقترب أحمد.
وضغط زر التشغيل.
خرج صوت محمود
أنا عارف إنكم هتوصلوا هنا في يوم من الأيام.
ثم صمت.
وبعدها قال
بس قبل ما تكملوا… لازم تعرفوا إن الستين كيلو لحمة مش كانت بتروح هنا علشان الأكل.
كريم قال
أمال كانت بتروح لمين؟
التسجيل تابع
كانت بتوصل لناس محتاجين.
أحمد قطب حاجبيه.
ثم جاء صوت محمود مرة أخرى
لكن اللي كان بيستلمها… كان بيحط معاها رسائل.
الرجل الغامض أغمض عينيه.
الحاجة ليلى قالت
الرسائل اللي فيها أسماء الناس.
أحمد التفت لها
أي ناس؟
لم تجب.
وفجأة سمعوا صوت ورق بيتقلب خلفهم.
استداروا.
كان أحد رجال الشرطة واقفًا عند صندوق خشبي.
فتح الصندوق.
وجد بداخله عشرات الملفات.
أخرج أول ملف.
على الغلاف كان مكتوبًا
القرية 7 سنوات.
ثم فتحه.
تغير وجهه.
يا فندم…
أحمد اقترب.
الملف كان يحتوي على صور وأسماء وتواريخ.
لكن بين كل الأسماء…
كان هناك اسم واحد متكرر.
أحمد.
كريم بص للمقدم.
إنت كنت بتعمل إيه هنا من سبع سنين؟
أحمد لم يجد إجابة.
وفي اللحظة نفسها…
انغلق باب الغرفة خلفهم بقوة.
ثم انطفأت الأنوار.
ومن الظلام جاء صوت شخص قريب جدًا
دلوقتي يا حضرة المقدم…
توقف لحظة.
ثم قال
فاكر أول مرة قابلت محمود؟
أحمد تجمد.
لأنه بدأ فجأة يتذكر…
مشهدًا قديمًا.
مكانًا.
صوت محمود.
ووجهًا كان يظن أنه نسيه منذ سبع سنوات.
ثم قال أحمد بصوت مرتجف
أنا… كنت هنا.
وفجأة أضاءت لمبة صغيرة في سقف الغرفة.
وكان أمامهم على الحائط…
صورة جماعية قديمة.
وفي منتصف الصورة كان محمود واقفًا.
وبجواره أحمد.
لكن الشخص الواقف في الطرف الآخر من الصورة…
كان شخصًا لم يتوقع أحد أن يراه.
ليلى أول ما شافته…
صرخت
إنت؟!انطفأت الأنوار بالكامل.
ثواني من الصمت مرّت، لكن بعدها بدأ صوت صفارة إنذار حادّة يملأ الممر.
كريم صرخ
يا فندم!
الكل مكانه! محدش يتحرك!
أحمد أخرج الكشاف الصغير من جيبه، لكن قبل ما يشغله، سمع صوت الحاجة ليلى
متشغلوش النور!
أحمد قال بعصبية
ليه؟
علشان هو مستني النور.
فجأة سمعوا صوت ارتطام قوي في آخر الممر.
كريم وجه سلاحه ناحية الصوت.
مين هناك؟!
جاء صوت رجل
أنا مش عدوكم.
أحمد صاح
اظهر!
وببطء ظهر رجل من الظلام.
كان في منتصف الخمسينات، وملابسه متسخة بالطين، وفي إيده دفتر قديم.
نظر للحاجة ليلى وقال
اتأخرتي.
ليلى ردت
كنت مضطرة.
أحمد اقترب منه
إنت مين؟
الرجل بص له للحظات، ثم قال
أنا أخو محمود.
كريم اتصدم
أخو محمود؟! بس الحاجة ليلى قالت إن محمود ابنها الوحيد!
ليلى أغمضت عينيها.
ثم قالت
أنا قلت للناس كده… علشان أحميه.
أحمد قال
يعني محمود عنده أخ؟
الرجل رد
عنده أخ… لكن مش بالاسم اللي تعرفوه.
ثم فتح الدفتر.
ومحمود كان بيحاول يوصل للحقيقة قبل ما يختفي.
أحمد مد يده للدفتر، لكن الرجل سحبه بسرعة.
مش دلوقتي.
ليه؟
لأن في حد برا الغرفة عارف إننا فتحنا الباب.
كريم اتجه ناحية الممر.
مفيش حد.
الرجل ابتسم
إنت متأكد؟
في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات فوقهم.
خطوة…
ثم خطوة…
ثم صوت كرسي بيتحرك.
أحمد رفع رأسه.
في دور تاني فوق السفينة؟
الرجل قال
مش دور.
ثم أشار للسقف.
في غرفة مخفية.
كريم قال
إزاي نوصل لها؟
الرجل بص للحاجة ليلى.
ليلى تقدمت ناحية الحائط، ووضعت يدها على حجر صغير.
ضغطت عليه.
فصدر صوت طقطقة.
وانفتح جزء من الجدار.
ظهر سلم ضيق نازل إلى أسفل.
كريم بص بدهشة
إحنا كنا فاكرين إننا تحت السفينة أصلًا.
ليلى قالت
لأن المكان ده أقدم مما تتخيلوا.
أحمد بدأ ينزل أول درجة.
لكن قبل ما ينزل، الرجل أمسك ذراعه.
استنى.
إيه؟
الرجل أشار إلى أول درجة.
كان عليها ظرف صغير.
أحمد فتحه.
وجد داخله ورقة واحدة.
قرأها بصوت مرتفع
إلى المقدم أحمد…
توقف.
نظر للجميع.
ثم أكمل
لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنت أخيرًا رجعت للمكان اللي بدأت منه كل حاجة.
كريم قال
يا فندم…
لكن أحمد لم يرد.
لأن أسفل الرسالة كانت هناك جملة أخيرة
واسأل نفسك… ليه محمود كان عارف إنك هترجع بعد سبع سنين بالضبط؟
ساد الصمت.
ثم سمعوا صوتًا من أسفل السلم.
صوت شاب.
هادئ.
واضح.
ماما…
الحاجة ليلى شهقت.
محمود؟
وجاء الصوت مرة ثانية
أنا مستنيكي.
ليلى اندفعت ناحية السلم.
أحمد أمسك ذراعها
استني!
صرخت
سيبني! ده ابني!
لكن الرجل الغامض قال بهدوء
ده مش محمود.
تجمدت ليلى.
إنت متأكد؟
قال
لأن محمود كان عنده علامة في صوته…
ثم سكت.
وفجأة جاء الصوت من أسفل السلم مرة أخرى
ماما… متصدقيهوش.
الحاجة ليلى بدأت تبكي.
لأن الجملة دي…
كانت بالضبط نفس الجملة التي كان محمود يقولها لها كل مرة يخاف عليها.
وفي اللحظة نفسها، ظهر ظل شخص على الحائط أسفل السلم.
كان واقفًا…
ينتظرهم.
ثم قال
انزلوا… وهتعرفوا الحقيقة.
أحمد شد قبضته على سلاحه.
وبدأ ينزل أول درجة.
لكن قبل ما يضع قدمه على الثانية…
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
المكالمة كانت من رقم مجهول.
ضغط على الرد.
لم يتكلم أحد.
فقط سمع صوت تسجيل قديم
يا أحمد… لو سمعت صوتي، يبقى أنت وقعت في الفخ.
ثم انقطع الاتصال.
أحمد رفع عينيه ناحية السلم.
وفي تلك اللحظة فقط…
فهم أن دخوله السفينة لم يكن مصادفة.
كان هو الهدف من البداية انفتح الباب على آخره.
الجميع رفع سلاحه في نفس اللحظة.
كان الواقف أمامهم العمدة.
وفي إيده حقيبة جلدية قديمة.
كريم صرخ
ارفع إيدك!
العمدة رفع الحقيبة بدل إيديه وقال
مش جاي أأذي حد.
أحمد قال بحدة
حط الحقيبة على الأرض.
العمدة نفذ الأمر ببطء.
ثم نظر للحاجة ليلى.
لسه بتنفذي وصية محمود؟
ليلى ردت بصوت مرتعش
إنت عارف إنه كان عايش.
العمدة سكت.
أحمد اقترب منه
اتكلم.
العمدة تنهد وقال
محمود ما ماتش بالطريقة اللي اتقالت لكم.
كريم سأله
فينه؟
العمدة بص للأرض.
ماعرفش.
أحمد أمسكه من ذراعه
كفاية كذب!
العمدة قال بسرعة
أنا آخر واحد شافه قبل اختفائه.
ثم أشار للحقيبة.
والحقيبة دي هي السبب.
أحمد فتحها.
كانت مليانة أوراق وصور قديمة.
لكن في القاع كان فيه ظرف أبيض صغير.
عليه اسم واحد فقط
ليلى.
الحاجة ليلى مدت إيدها، لكن أحمد منعها.
أنا هفتحه.
فتح الظرف.
في داخله رسالة قصيرة.
بدأ يقرأ
يا أمي، لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى العمدة رجع للحقيقة.
ليلى شهقت.
أحمد كمل
وما تصدقيش أي حد يقول لك إني مت.
ثم كانت هناك جملة جعلت الجميع يتجمد
أنا عايش.
سقطت الورقة من يد أحمد.
كريم قال
إنت قلت إنه مختفي من سبع سنين!
العمدة رد
كان مختفي… لكن مش ميت.
الحاجة ليلى بدأت تبكي
فين ابني؟




