قصص قصيرة

جدتي الجميلة للكاتبة اسما السيد

— كان عندي.

نبرة صوتها اتغيرت تمامًا.

جدتي ما سألتش أكتر.

لكن الست قالت من نفسها:

— ماتت من تلات سنين.

وسكتت.

وبعدين قالت جملة خلتني أبطل أضحك تمامًا:

— وآخر مرة طلبت مني أسافر معاها… قلتلها إني مش فاضية.

الفصل الثالث: الكلمة اللي كسرتها

جدتي ما قالتش حاجة للحظة.

الست كملت:

— كانت نفسها تشوف مكان معين طول عمرها.

صوتها بدأ يتهز.

— قالتلي: تعالي نسافر يومين بس.

ضحكت ضحكة حزينة.

— وأنا قلتلها إن السفر تعب عليها وإنها كبرت على الكلام ده.

جدتي بصتلها.

والست عينيها اتمَلّت دموع.

— بعد شهرين تعبت جدًا… وبعدها ماتت.

سكتت شوية.

— أول ما شوفتك النهارده، إنتِ فكرتيني بيها.

أنا كنت سامع جزء من الكلام من مكاني، لكن مش كله.

الست قالت:

— واتعصبت.

جدتي ردت:

— علشان فكرتي في أمك؟

— علشان افتكرت نفسي.

الست مسحت دمعة بسرعة.

— افتكرت قد إيه كنت وحشة معاها.

بصت لجدتي وقالت:

— والكلام اللي قلتهولك… هو تقريبًا نفس الكلام اللي قولته لأمي آخر مرة طلبت تسافر.

جدتي سكتت.

وبعدين قالت:

— يبقى إنتِ ماكنتيش بتتكلمي معايا أنا.

الست بصتلها باستغراب.

جدتي قالت:

— إنتِ كنتِ بتتخانقي مع ذكرى قديمة.

الست دموعها نزلت.

— يمكن.

جدتي ضغطت على إيدها.

— بس الذكرى مش ذنب الناس.

هزت الست راسها.

— عارفة.

وبصراحة…

أنا كنت لسه متضايق منها.

ماضيها يفسر تصرفها…

لكن ما يبرروش.

لكن لما شفتها بتعيط في صمت، حسيت إن الست اللي كانت من شوية شايفة نفسها على الكل اختفت.

المضيفة عدت من جنبهم.

الست نادتها.

— لو سمحتي.

— نعم يا فندم؟

الست أشارت لجدتي.

— لو فيه أي إمكانية إن حفيدها يقعد مكان حد قريب منها… أنا ممكن أبدل مكاني.

المضيفة قالت:

— الطيارة كاملة للأسف.

الست قالت:

— حتى لو كرسيه أسوأ من هنا، أنا هاخده.

المضيفة ابتسمت.

— هسأل الركاب.

وبالفعل…

بعد حوالي عشر دقايق، راجل كان قاعد في الصف اللي جنبي وافق يبدل معاها.

الست قامت.

وقبل ما تمشي، قلعت شبشب جدتي وحطته قدامها.

— شكرًا.

جدتي قالت:

— خليه معاكي لحد ما ننزل.

الست ابتسمت لأول مرة.

— لأ… كفاية أخدت نص كرسيك في الأول. مش هاخد شبشبك كمان.

جدتي ضحكت.

الست اتحركت ناحية مكاني.

وأنا أخيرًا رحت قعدت جنب جدتي.

أول ما قعدت قلتلها:

— إنتِ بجد اديتيها الشبشب بعد اللي عملته؟

جدتي رفعت كتفها:

— كانت هتمشي حافية يعني؟

قلت:

— وتماسكي إيدها كمان؟

— كانت خايفة.

بصيتلها:

— يا تيتة، هي أهانتك.

جدتي بصتلي وقالت جملة عمري ما نسيتها:

— يا حبيبي، كون حد قليل الذوق معايا مش معناه إني لازم أبقى قليلة الذوق زيه.

وسكتت لحظة.

— ولو أنا عندي ستة وتمانين سنة ولسه ماتعلمتش ده… يبقى عشت كل السنين دي على الفاضي.

سكت.

معرفتش أقول حاجة بعدها.

وبعد ساعات…

بدأنا ننزل ناحية وجهتنا.

جدتي كانت لازقة وشها في الشباك زي طفلة صغيرة.

وفجأة قالت:

— هو ده؟

بصيت برا.

البحر كان ظاهر من بعيد.

مساحة زرقا كبيرة بتلمع تحت الشمس.

بصيت لجدتي.

عينيها مليانة دموع.

قالت:

— ياااه…

ومسكت إيدي.

— أنا كنت فاكرة إني هموت قبل ما أشوفه.

قلت:

— بعد الشر عليكي.

ضحكت.

— خلاص شوفته… دلوقتي براحتكم.

— يا تيتة!

ضحكت بصوت عالي.

لكن المفاجأة الأخيرة حصلت لما نزلنا من الطيارة.

الفصل الرابع: آخر شخص توقعنا نشوفه

بعد ما استلمنا الشنط، كنت بدور على عربية توصلنا.

وجدتي واقفة جنبي بالشبشب بتاعها وجزمة احتياطية كانت في شنطتها.

فجأة سمعت صوت ورايا:

— لو سمحت!

لفيت.

كانت هي.

الست.

بس المرة دي شكلها مختلف تمامًا.

لا تكبر.

ولا نظرة استعلاء.

كانت ماسكة شنطتها وجزمتها المتغلفة في كيس.

قربت من جدتي وقالت:

— أنا كنت عايزة أقولك حاجة قبل ما نمشي.

جدتي ابتسمت:

— اتفضلي.

الست طلعت موبايلها.

فتحت صورة.

كانت صورة ست كبيرة في السن قاعدة قدام البحر.

قالت:

— دي أمي.

جدتي بصت للصورة.

— جميلة.

الست ابتسمت وسط دموعها.

— الصورة دي من رحلة راحتها مع خالتي… بعد ما أنا رفضت أروح معاها.

وسكتت.

— فضلت سنين ماقدرش أبص للصورة دي.

وبعدين رفعت عينيها لجدتي.

— النهارده أول مرة أحس إني فاهمة هي كانت عايزة إيه.

جدتي سألتها:

— كانت عايزة البحر؟

الست هزت راسها.

— لأ.

— أمال؟

— كانت عايزاني أنا.

الصمت وقع بيننا.

الست كملت:

— وأنا ضيعت الفرصة.

جدتي مدت إيدها ومسحت على دراعها.

— اللي فات مش هنرجعه.

وبعدين قالت:

— بس نقدر مانكرروش.

الست بصتلها.

جدتي سألتها:

— عندك أولاد؟

قالت:

— بنت.

— كلميها.

الست ابتسمت بحزن.

— إحنا متخانقين من شهور.

جدتي قالت فورًا:

— كلميها النهارده.

الست قالت:

— ولو مردتش؟

جدتي ردت:

— كلميها بكرة.

— ولو رفضت؟

— كلميها بعده.

ضحكت الست وهي بتعيط.

— إنتِ عنيدة قوي.

جدتي ابتسمت:

— علشان كده وصلت لستة وتمانين.

ضحكنا كلنا.

الست حضنت جدتي.

والمفاجأة إن جدتي حضنتها هي كمان.

قبل ما تمشي، الست بصتلي وقالت:

— خلي بالك منها.

قلت:

— دي هي اللي بتاخد بالها مني.

ضحكت.

وبعدين مشيت.

أنا وجدتي كملنا طريقنا.

وبعد أقل من ساعة…

كانت واقفة قدام البحر لأول مرة في حياتها.

قلعت الجزمة.

ورفعت هدومها شوية من تحت علشان المية ماتبلهاش.

وأول موجة وصلت لرجلها…

صرخت:

— ساقعة يا واد!

ضحكت لحد ما دموعي نزلت.

قالت:

— إنت ضحكت عليا! قولتلي البحر حلو!

قلت:

— استني بس.

جت موجة تانية.

المرة دي ما رجعتش.

وقفت مكانها.

بصت قدامها لمسافة بعيدة جدًا.

وبعدين همست:

— يستاهل.

— إيه؟

— الانتظار.

بصتلي وقالت:

— في حاجات يا ابني الواحد ممكن يستناها عمر كامل… ولما تيجي، تحس إن العمر ما راحش هدر.

صورتها وهي واقفة قدام البحر.

ودي لحد النهارده…

أحب صورة عندي لجدتي.

أما الست اللي قابلناها في الطيارة؟

بعد حوالي أسبوعين…

وصل لجدتي اتصال من رقم غريب.

كانت هي.

قالت لها جملة واحدة:

— بنتي ردت عليا.

وبدأت تعيط.

وجدتي ابتسمت وقالت:

— أهو كده الرحلة جابت نتيجة لينا إحنا الاتنين.

ومن يومها فهمت حاجة.

أحيانًا العقاب الحقيقي مش إن الشخص اللي أذاك يتفضح أو يتأذى.

أحيانًا العقاب الحقيقي…

إنه يشوف نفسه للحظة زي ما الناس شايفاه.

والفرصة الحقيقية…

إنه يقرر بعدها يبقى إنسان أحسن.

أما جدتي؟

فكل ما حد يسألها عن أول رحلة طيران في حياتها، تقول وهي بتضحك:

— كانت رحلة جميلة جدًا… بس نصيحتي الوحيدة، قبل ما تعيب على ريحة حد، بص تحت جزمتك الأول!

الحكاية انتهت… لكن أول مرة جدتي شافت فيها البحر، فضلت واحدة من أجمل الذكريات اللي عشتها معاها.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى