
جوز التنتين امانى سيد
إيد باردة وفيها استحقار ما شوفتش زيه في حياتي، وقالت بنبرة مفهاش حتى عصبية، مجرد زهد تام ماتبررش يا عاطف.. اللي في قلبه ذرة رحمة أو أبوبة كان شم ريحة الخطر على عياله، كان سأل الواد فين يا سوسن؟ البت فين يا سوسن؟ إنما أنت جيت عينك مش شايفة غير نفسك، وودنك مش سامعة غير صوت مرفت، وبؤك مبيطلعش غير سمها.
شالت شنطة الهدوم من على الأرض، وعلقتها على كتفها، وطلعت مفاتيح الشقة ومسكت أوكرة باب الشارع، وقبل ما تفتح، لفت وبصتلي نظرة أخيرة خلتني أحس إني أصغر من النملة في عينيها
أنا رايحة لابني المستشفى.. وأنت، اخرج اقفل الباب وراك وروح لحياتك ولمرفت.. متجيش المستشفى، ومتدورش علينا، لأنك لو جيت هطلبلك الأمن يطردك برة، ابنك لما يفتح عينه مش محتاج يشوف أب رخصه وباعه في نص الليل عشان يثبت حبه لوحدة تانية.
فتحت الباب ونزلت على السلم بخطوات ثابتة وسريعة، ورزعة باب العمارة تحت كانت زي رصاصة الرحمة على اللي باقي من كرامتي.
فضلت واقف في الصالة لوحدي، البيت فاضي ومفيهوش غير صوت أنفاسي المكتومة، بصيت على التحاليل في إيدي وشوفت اسم المستشفى ورقم الأوضة، وحسيت فجأة بسكين تلمة بتقطع في قلبي.. حسيت بالعمى اللي كنت عايش فيه، وعرفت إن في حاجات لما بتتكسر، مبترجعش تتصلح تاني أبداً.
نزلت وراها زي المجنون، سايق العربية وإيدي بتترعش على الدريكسيون وعيني مش شايفة الطريق. كل اللي في بالي إني ألحق أروح المستشفى، أشوف ابني وأحاول أداري الخيبة والكسرة اللي حطيت نفسي فيها.
وصلت المستشفى وطلعت الدور التالت جري، وسألت على رقم الأوضة المكتوب في التقرير. أول ما وصلت الطرقة وشوفت الباب موارب، رجلي اتسمرت في الأرض من المنظر.
لقيت أخويا واقف ساند ضهره ع الحيطة برة الأوضة، وشكله مهدود وعينيه حمرا من قلة النوم، وجنبه والد سوسن واختها قاعدين على كراسي الانتظار، وشوشهم مليانة هم وغضب.
أول ما أخويا لمحني بقرب، عدل وقفته وبصلي من فوق لتحت بنظرة قرف واحتقار خلتني أتمنى لو الأرض تنشق وتبلعني. جه يقرب مني بخطوات سريعة ووقف قدامي وسد طريقي، وقال بصوت واطي ومكتوم من كتر الغيظ جاي تعمل إيه هنا يا عاطف؟ جاي تطمن بعد ما الفاس وقعت في الراس؟.
بلعت ريقي وحاولت أعدي جاي أشوف ابني يا طارق.. أطمن عليه.
ضحك باستهزاء وقالي ابنك؟ دلوقتي افتكرت إنك عندك ابن؟ مراتك لما لقتك قفلت السكة في وشها ورميتها، اتصلت بيا أنا أول واحد وهي بتصرخ في التليفون ومش شايفة قدامها.. نزلت جري في نص الليل لقيتها واقفة في الشارع بالولد وهو بيزرق، شيلته وجريت بيه على هنا وأنا بدعي يوصل عايش! وأهلها أول ما عرفوا جم الفجر وفضلوا قاعدين معاه لحد ما هي استأذنت تروح البيت تجيبله لبس وتغير هدومها اللي اتبهدلت وترجع تاني.
في اللحظة دي، خرج حمايا من الأوضة على صوتنا، وبصلي بصة راجل مكسور بس مليان كبرياء، وموجهش ليا حتى كلمة واحدة.. بص لأخويا طارق وقال بهدوء حارق قوله يمشي يا طارق.. عشان لو دخل، بنتي مش هتسكت، والواد تعبان ومش ناقص حرقة دم.
وقفت في وسطهم زي الغريب، زي المتهم اللي الكل مجتمع على إدانته.. أخويا اللي من لحمي ودمي باصصلي بقرف وبيتبرأ من تصرفاتي، وأهل مراتي شايفيني مسواش مليم، وأنا واقف عاجز، كل ذرة ندم في الدنيا بتنهش في قلبي ومش قادر حتى أنطق باسم ابني.
نزلت من المستشفى ورجلي مش شيلاني، كل نظرة احتقار شوفتها في عين أخويا وأهل سوسن كانت زي طعنة في كرامتي. ركبت العربية ودموع القهر مكتومة في زوري، ومكنش قدامي مكان أهرب له غير بيت مرفت.
دخلت الشقة ورميت نفسي على الكنبة ووشي في الأرض، تايه ومكسور ومخنوق. مرفت قربت مني بدلع، حطت إيدها على كتفي وحاولت تهون عليا بأسلوبها وقالت بنعومة مالك يا حبيبي راجع قالع وشك كده ليه؟ فك بقى يا عاطف، قولتلك دي حركات عشان يلووا دراعك وينكدوا عليك.. متوجعش قلبك، المهم إنك معايا وإحنا مع بعض، والواد أهو خف وبقى زي الفل في المستشفى وكلها يومين وهيخرج.
فضلت باصص في الأرض وساكت، ملامحي جامدة ومفيش على لساني غير الصدمة، ولا حتى قادر أرفع عيني فيها وأبادلها الدلع زي كل مرة.
لما لقتني مطنشها وزي منا، ملامحها اتغيرت فجأة، وسحبت إيدها من على كتفي بضيق ونفخت بزهق وقامت وقفت قدامي. رمت الكلمتين بنبرة حادة ووش خالي تماماً من أي حنية جرى إيه يا عاطف؟ هتفضل قاعدلي مبوز وقالب خلقتك كده كتير؟ أنا مبحبش النكد ده ولا طايقة العيشة في الجو الكئيب ده! أنت جاي تفرغ همك ونكد بيتك الأولاني عليا أنا؟.
بصتلي بقرف وكملت وهي بتعدل شعرها بلامبالاة أنا اتجوزتك عشان أعيش مبسوطة ومرتاحة، مش عشان كل ما تروح هناك ترجعلي شايل طاجن ستك ومسود الدنيا في وشي! لو مش هتعرف تفصل وتفكك من الدراما الرخيصة دي، يبقى تشوفلك مكان تاني تنكد فيه، أنا دماغي مش ناقصة وجع دماغ!.
سابتني ودخلت الأوضة ورزعت الباب وراها، وفضلت أنا قاعد مكاني في الصالة.. بصيت للفراغ حواليا وضحكت بمرارة على نفسي؛ الست اللي بعت أهلي وبيتي وابني عشان رضاها وراحتها، أول ما شافتني مكسور ومحتاج حد يسندني، اتنصلت مني وقالتلي بصريح العبارة أنا مبحبش النكد ده.
كلامها نزل عليا زي الكرباج، بس ضعفي وقلة حيلتي قدامها كانوا أكبر من أي كرامة باقية ليا. بدأت أتهته وأنا باصص في الأرض، مقدرتش أنطق بكلمة تزعلها ولا حتى أعاتبها، بلعت الإهانة وقلت بصوت مكسور وخاضع حاضر يا مرفت.. حقك عليا، حاضر مش هنكد عليكي.. أنا هنزل دلوقتي عشان متضايقيش.
لميت نفسي وخرجت من الشقة بقلة قيمة، ونزلت ركبت عربيتي وسوقتها لحد بيت سوسن وأنا مش عارف هعمل إيه. طلعت الشقة الفاضية، ودخلت الصالة والسكوت بيخنقني من كل ناحية. طلعت التليفون بإيد بتترعش، وجربت أرن على سوسن عشان أطمن على الولد أو أعرف أي خبر.. الخط كان بيدي مشغول وبيقفل فوراً؛ عملتلي بلوك.
قلت أجرب أرن على أخويا طارق عشان أستسمحه وأعرف منه حالة ابني، أول ما التليفون رن وفتح، مسمعتش منه غير جملة واحدة بنبرة كلها سم ملكش إخوات يا عاطف.. ورقمي ده متتصلش بيه تاني، وقفل السكة في وشي وعملي بلوك هو كمان.
حاولت أتصل بحمايا، وبأخو سوسن، وحتى بجارتنا اللي البنت كانت عندها.. كل ما أرن على حد فيهم، يا إما يقفل السكة في وشي من غير ما ينطق، يا إما التليفون يديني على طول إنه غير متاح بعد البلوك.
رميت الموبايل على الكنبة وحطيت راسي بين إيديا في وسط الضلمة والسكوت.. بقيت زي المجذوب، الكل نفض إيده مني، ومفيش بني آدم واحد راضي حتى يسمع صوتي، وأنا محبوس بين حيطان بيتي الأولاني الخربان، مأسور بضعفي لمرفت اللي طردتني عشان النكد، وبندمي على اللي ضيعتهم بإيدي.
عدّى أسبوع كامل وأنا عايش لوحدي في الشقة، أسبوع مر زي السنين في عذاب





