قصص قصيرة

اتقال عليه غير صالح للانجاب

اتجهنا ناحية النهر. كنت بمشي بصعوبة، ورجلي بتوجعني، ودليلة كانت أوقات تضطر تسندني. كان الموقف كله ساخرًا بطريقة مؤلمة؛ أنا اللي المفروض أكون المنقذ، وهي اللي كانت بتسندني عشان أقدر أكمل. بعد حوالي ساعة، سمعنا صوت خيول. اتجمدنا مكاننا. الحراس. شدّت دليلة إيدي وهمست: — استخبى. دخلنا بين الأشجار، والحراس عدّوا قريب جدًا مننا. سمعت واحد منهم بيقول: — القاضي قال إن البنت دي ماينفعش تخرج من المزرعة. التاني رد:

— وابنه كمان ممنوع يخرج الليلة. عرفت وقتها إن أبويا اكتشف هروبنا. جرينا ناحية النهر. لكن قبل ما نوصل، لقينا مركب صغير مربوط على الشاطئ. ركبت دليلة، وبعدها ركبت أنا، وبدأنا نفك الحبل. وفجأة… دوّى صوت رصاصة في الهوا. الرصاصة خبطت في الخشب جنب إيدي. سمعت صوت أبويا من بعيد: — توماس! وقفت. كان واقف على الشاطئ ومعاه رجالة مسلحين. — ارجع يا ابني. بصيت له لأول مرة من غير خوف.

قلت: — مش هرجع. ضحك بسخرية. — هتعيش فين؟ وهتعمل إيه؟ إنت مش قادر تعيش من غير اسمي ولا فلوسي. بصيت لدليلة، وبعدها رجعت أبصله. — يمكن أكون ضعيف في جسمي… لكن مش هبقى ضعيف لدرجة أبيع إنسان. وشدّت دليلة الحبل، والمركب بدأت تبعد عن الشاطئ. فضل أبويا واقف مكانه، بيبص لنا لحد ما اختفينا في الظلام. لكن الهروب ماكانش نهاية المشكلة. كان بدايتها. وصلنا بعد أيام لمدينة بعيدة، وهناك بدأنا نعيش بأسماء مختلفة. بعت جزء من ممتلكاتي الصغيرة اللي كانت باسمي، واستأجرت مكانًا متواضعًا.

دليلة كانت أول مرة في حياتها تنام من غير ما تسمع صوت مشرف المزرعة. وأنا لأول مرة في حياتي كنت عايش من غير ظل أبويا فوق راسي. لكن بعد أسابيع، وصلتنا أخبار من ميسيسيبي. القاضي ويليام كالاهان أعلن إن ابنه «مريض عقليًا»، وإن دليلة «هاربة وخطيرة». بدأ يبحث عننا. كنت عارف إن وجودنا مع بعض هيعرّضها للخطر. فقررت أعمل حاجة ماكنتوش أتخيل إني أقدر عليها. كتبت كل اللي حصل. كتبت عن خطة أبويا.

كتبت عن تجارة البشر اللي شفتها بعيني. كتبت أسماء رجال شاركوا في استغلال المستعبدين. وبعت الأوراق دي لصحيفة كانت معارضة للعبودية. بعد أسابيع، بدأت المقالات تظهر. الناس اتصدمت من قصة ابن قاضٍ ثري بيكشف أسرار مزرعة أبوه. وأبويا حاول ينكر كل حاجة. لكن المشكلة إن الأوراق اللي كتبتها كانت مليانة تفاصيل ماكانش يعرفها غير أهل المزرعة. وبدأ الضغط عليه يزيد. أما دليلة، فساعدتها مجموعة من الناس على الوصول إلى مكان أكثر أمانًا.

وقبل ما نفترق، قالتلي: — إنت أول واحد شافني كإنسانة. قلت لها: — وإنتِ أول واحدة خلتني أشوف نفسي من غير اسم أبويا. افترقنا بعدها. ماعرفتش أشوفها تاني لسنين طويلة. لكن القصة ماانتهتش هناك. اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية بعد ذلك بعامين، وتغيرت البلاد كلها. ومع نهاية الحرب وإلغاء العبودية، بدأت أبحث عن دليلة. وبعد سنوات من البحث، وصلتني رسالة. كانت منها. كانت عايشة في مدينة صغيرة شمالًا، وبدأت حياة جديدة.

سافرت إليها. ولما فتحت الباب وشافتني، سكتنا للحظات. كنت كبرت، لكن جسمي لسه ضعيف. هي كمان اتغيرت ملامحها. لكن عينيها كانوا نفسهم. قالت: — افتكرتك مـ,ـات. ابتسمت وقلت: — وأنا افتكرتك نسيتيني. ردت: — مستحيل. جلست قدامها، وحكيت لها عن السنين اللي فاتت. لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان سؤالًا واحدًا: هل كان الأطباء غلطانين؟ هل كنت فعلًا غير صالح للإنجاب؟ ولا كان الحكم اللي صدر عليّ مجرد محاولة من الناس لتحديد قيمة الإنسان بجسده؟

الحقيقة إننا ماعرفناش الإجابة وقتها. لكن بعد شهور، دليلة قالتلي خبر غيّر حياتي. كانت حامل. وقفت مش قادر أتكلم. وبعدها ضحكت وهي بتعيط. أما أنا، فجلست على الكرسي وفضلت أبص لها غير مصدق. ثلاثة أطباء حكموا عليّ بالعقم الدائم. لكن الزمن أثبت إنهم كانوا مخطئين. ومع ذلك، الطفل اللي جه بعد كده ماكانش أهم شيء حصل في حياتي. الأهم إنني فهمت إن الإنسان مش رقم في تقرير طبي، ولا لقب عيلة، ولا جسم قوي، ولا ثروة.

والأهم إن دليلة، اللي كان أبويا شايفها مجرد «أداة» لإنجاب وريث، عاشت حياتها بعد كده باعتبارها إنسانة كاملة، صاحبة قرارها وحريتها. أما القاضي ويليام كالاهان، فخسر معظم نفوذه بعد الحرب، وتفرقت ثروته، وانتهى الاسم اللي كان فاكر إنه خالد. وفي آخر رسالة وصلتني من أحد معارفي في ميسيسيبي، كان فيه سطر واحد: «أبوك كان بيقول إنك أضعف واحد في العيلة… لكنه ماكانش يعرف إن أضعف واحد في نظره هو اللي قدر يقول له: لا.»

احتفظت بالرسالة لسنين. وكل ما كنت أقرأها، كنت أفتكر كلام أمي قبل ما تمـ,ـوت: «الناس ممكن يستهانوا بيك… لكن عقلك وروحك ملكك إنت.» ومن يومها، فهمت أخيرًا معنى كلامها. أنا ماكنتش المعيوب. أنا كنت الإنسان الوحيد في البيت اللي قرر إن إنسان تاني مايتعاملش كأنه شيء.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى