
حماتي في السوق
شفت حماتي بالصدفة في السوق مع واحدة صاحبتها، وابتسمت وأنا ناوية أسلّم عليها. لكن قبل ما أقرب، سمعتها بتقول: “فاضل بس نقنع أمها تبيع الشقة.”
حسيت إن جسمي كله اتجمد مكانة…
— “مريم لسه مش عارفة إن أحمد بدأ يسحب الفلوس. ولما تعرف، الشقة هتكون خلاص اتحجزت.”
مجرد ما سمعت اسمي من ورا فرشة خضار في سوق قريب من بيتنا، اتسمّرت مكاني.
الصوت كان صوت حماتي سعاد… كنت نازلة أجيب شوية خضار وفاكهة للغدا. ابني يوسف، عنده تمنتاشر سنة، كان راجع اليوم ده من الجامعة، وكان واعدني إنه هيعمل لنا أكل بنفسه، لأنه بقاله كام أسبوع بيتخانق معايا بسبب أكل الكافيتريا…
كنت خلاص هروح أسلّم على حماتي لما سمعت الجملة التانية:
— “الفلوس دي عمرها ما كانت المفروض تروح ليوسف أصلاً. أحمد فهم خلاص إنه مش ملزم يشتري بيت لابن راجل تاني.”
حسيت إيدي تلج… على مدار تمن سنين، أحمد كان بينادي يوسف: “ابني”… كان بيروح معاه التمرينات والمسابقات، وعلمه السواقة، وكان واقف في أول صف يوم ما يوسف دخل الجامعة.
وقبل تلات سنين، أحمد بنفسه هو اللي اقترح علينا نوفر فلوس عشان نساعد يوسف في يوم من الأيام في مقدم شقة.
أنا كنت بحوش من مرتبي، وحطيت جزء من مكافآتي ومدخراتي… وهو كمان كان بيحط جزء من مرتبه.
آخر مرة سألت أحمد عن الفلوس، قال لي إننا قربنا نوصل لحوالي مليونين وتلتميت ألف جنيه.
لكن سعاد كملت كلامها:
— “ده غير إن بنت أحمد، دينا، تستاهل حاجة أحسن. الشقة اللي ورثتها دي ماتنفعش تعيش فيها.”
دينا كانت بنت أحمد من جوازه الأول، عندها عشرين سنة، ووارثة شقة صغيرة في عين شمس من جدها. الشقة مش فخمة، لكن كانت ملكها ومش عليها أقساط. وهي نفسها كانت دايمًا بتقول إن الشقة كويسة، ومحتاجة شوية توضيب وتجديد وخلاص.
— “أحمد عايز يجيب لها شقة محترمة في مصر الجديدة أو مدينة نصر”، كملت سعاد. “وهو بالفعل حول لي جزء من الفلوس عشان مريم ماتعرفش.”
حسيت إني لازم أمسك في حاجة عشان ما أقعش.
فجأة كل الكلام اللي أحمد قالهولي خلال الشهور اللي فاتت بدأ يركب فوق بعضه:
“العربية محتاجة تصليح.”
“سلفت واحد صاحبي مبلغ وهيرجعه.”
“عملت تحويل مؤقت.”
“ماتقلقيش، الفلوس موجودة.”
بس اللي سمعته بعد كده كان أصعب بكثير.
صاحبة سعاد سألتها:
— “طب ناقصكم كام؟”
ردت سعاد بكل ثقة:
— “أحمد لقى مصدر تاني.”
— “مصدر إيه؟”
— “أم مريم.”
كيس الخضار كاد يقع من إيدي… أمي أمينة عندها تسعة وستين سنة، وعايشة لوحدها في شقتها القديمة في منطقة الهرم… وأحمد بقاله أسابيع بيروح لها كتير.
مرة يصلح لها الحنفية، ومرة يجيب لها سباك، ومرة ينزل يجيب طلبات البيت. وفي مرة حتى قعد يقنعها إن الشقة الكبيرة بقت متعبة عليها، وإنها ممكن تبيعها وتجيب شقة أصغر وأريح وفيها أسانسير.
أنا وقتها كنت فاكرة إنه بيهتم بيها، وكنت فاكرة إنه راجل أصيل مع أمي. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
— “هيساعدها تبيع الشقة”، قالت سعاد. “يجيب لها شقة صغيرة، ويتبقى حوالي مليون وتلاتمية ألف. والفلوس دي أحمد هياخدها ويحطها معايا، ونكمل تمن شقة دينا.”
صاحبتها سألت:
— “ومريم؟”
ضحكت سعاد وقالت:
— “هتعمل شوية دوشة في الأول، وبعدها هتهدى. هي يعني هتطلق بعد تمن سنين جواز عشان شوية فلوس؟”
الجملة دي بالذات هي اللي فاقتني.
ما خرجتش أواجهها، ما عليتش صوتي، وما عملتش مشكلة في السوق.
لفيت بهدوء ومشيت بعيد عنهم.
أول ما خرجت من السوق، طلعت موبايلي واتصلت بأمي.
— “ماما، أحمد هييجي لك بكرة ويتكلم معاكي تاني عن موضوع بيع الشقة.”
سكتت شوية وبعدين قالت:
— “أيوه يا بنتي، هو قالي إنه جاي بكرة فعلًا.”
قلت لها:
— “ماتقوليش لأ.”
اتخضت:
— “يعني إيه؟”
— “وافقي إنك تسمعيه. اسأليه الشقة هتتباع بكام، والشقة البديلة هتكون فين، والفلوس هتتحط باسم مين. اسأليه كل حاجة. بس مهما حصل، ماتمضيش على أي ورقة.. ولا توكيل.. ولا عقد.. ولا تحولي جنيه واحد لأي حد.”
سكتت أمي كام ثانية، وبصوت مليان خوف سألتني:
— “مريم… في إيه؟”
بصيت ناحية باب السوق، وقلت لها:
— “ماما، أنا خايفة إن جوزي بيحاول يتصرف في فلوسك بدون وجه حق.”
سكتت أمي تمامًا… وأنا قفلت المكالمة وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتقلبت.
في نفس الليلة، أحمد رجع البيت وكأن مفيش أي حاجة حصلت… قعد على السفرة، وضحك مع يوسف، وسأله عن الجامعة.
وبعدين قال له:
— “لو اللاب توب بتاعك باظ أو محتاج واحد جديد، قولي وأنا أجيب لك واحد.”
يوسف ضحك وقال:
— “لا يا بابا، كفاية عليك.”
أحمد ربت على كتفه وقال:
— “العلم مفيهوش خسارة يا ابني.”
أنا كنت قاعدة قدامه وببص له… مش قادرة أصدق إن الراجل اللي قدامي هو نفسه الراجل اللي سمعت عنه النهارده.
بعد شوية يوسف دخل أوضته… وأحمد حط موبايله على السفرة ودخل الحمام. وأنا كنت عارفة الرقم السري لموبايله.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. دخلت على الواتساب، ولقيت المحادثة بينه وبين أمه.
أول رسالة وقعت عيني عليها كانت:
“يا أمي، كده معانا 980 ألف. ماترجعيش ولا جنيه لحد ما موضوع دينا يخلص.”
نزلت لتحت… ولقيت رسالة بعدها مباشرة:
“مريم فاكرة إن الفلوس كلها لسه موجودة. بكرة هسحب الباقي.”
والرسالة الأخير كانت الصدمة الكبرى:
“أنا رايح لأم مريم بكرة، وجايب معايا سمسار معرفة عشان نعمل العقد المبدئي. هخليها تمضي بحجة إنه عقد ابتدائي للجدية، وساعتها الفلوس هتوصل لحسابي فوراً. مش هتعرف حاجة غير بعد ما الشقة تتباع.”
إيدي كانت بتترعش بشكل مش طبيعي. مسكت الموبايل وصورت الشاشة بموبايلي بسرعة؛ صور متتالية لكل المحادثة بالتواريخ والتحويلات وأرقام الحسابات، وصورت كمان التحويلات اللي راحت لحساب أمه سعاد. رجعت الموبايل مكانه بالضبط، ووقفت في المطبخ أعمل نفسي بحضر كباية شاي.
لما خرج أحمد من الحمام، كان بيصفر ورايق جداً، قعد على الكنبة وشغل التلفزيون وقال بابتسامة:
— “مالك يا مريم؟ حاسس إنك ساكتة ومجهدة النهاردة.”
جبرت نفسي أبتسم وقلت له:
— “مفيش يا أحمد، بس شوية إرهاق من النزول في الحر وشغل البيت.”
رد ببرود:
— “سلامتك يا حبيبتي.. على فكرة، أنا رايح بكرة الصبح لأمك أصلح لها سباكة المطبخ، وبمرة هفتح معاها موضوع الشقة تاني.. الراجل صاحبي لقي لها شقة صغننة في مكان هادي وأحسن لها.”
هزيت رأسي وأنا ببلع غصتي:
— “ماشي يا أحمد.. ربنا يخليك.”
طول الليل ما غمضليش جفن. كنت باصة للسقف وأحمد نايم جنبي، وأنا عقلي شغال كأنه خلية نحل. الفلوس اللي سحبها كانت حصيلة تحويش سنين، منها مكافأة نهاية الخدمة بتاعتي، ومنها ذهب بعته عشان نحطه في حساب تحويش يوسف. كل ده بيضيع بدم بارد!
أول ما الشمس طلعت وأحمد نزل من البيت الساعة تسعة الصبح، اتصلت فوراً بصديقتي “سارة”، وهي محامية شاطرة جداً. حكيت لها كل كلمة سمعتها في السوق وكل صورة أخدتها من الموبايل.
سارة قالت لي بحزم:
— “مريم، أحمد بيخطط لخديعة كاملة. أول حاجة لازم نعملها هي حماية ممتلكات أمك. أنا جاية معاكي فوراً على بيت ميت عقبة قبل ما هو يوصل بالسمسار.”
وصلت بيت أمي قبل أحمد بنصف ساعة. أمي كانت قاعدة في الصالة، خايفة وبترتجف. أول ما شافتني حضنتني وقالت:
— “يا مريم يا بنتي.. أحمد بيعمل كده ليه؟ ده أنا كنت أفتكره ابني!”
سارة قعدت جنبها وقالت لها:
— “يا طنط، اهدي خالص. أحمد جايب معاه عقد مبدئي أو توكيل، والمطلوب إنك تعامليه عادي جداً، وتطلبي منه تشوفي العقد وتقريه بتمهل، وفي اللحظة دي أنا وهتدخل مع مريم.”
الساعة عشره والنص، خبط الباب. دخل أحمد ومعاه راجل لابس بدلة، كان اسمه “أستاذ فريد السمسار”.
أحمد دخل بابتسامته المعتادة، وباس رأس أمي وقال لها:
— “صباح الخير يا أمي.. الأستاذ فريد جاب لنا المشتري الجاد، والشقة الجديدة جاهزة تقريباً!”
أمي تمالكت نفسها وقالت بنبرة هادية:
— “يا كثر خيرك يا أحمد يا ابني.. بس وريني العقد الأول؟”
أحمد طلع الورق بسرعة وقال لها:
— “ده عقد اتفاق مبدئي يا أمي، ومعاه توكيل عشان أخلص لك الأوراق بنفسي من غير ما تتعبي. امضي هنا وهنا.”
في اللحظة دي، خرجت أنا وسارة من الأوضة.
أحمد اتقطع كلامه، وعينيه اتوسعت من المفاجأة، والسمسار بص لنا باستغراب.
أحمد قال بارتباك:
— “مريم؟ أنتِ هنا من أمتى؟ ومش قايلالي ليه؟”
سارة قربت وسحبت الورق من قدام أمي وقرت البنود بسرعة، وبعدين بصت لأحمد وقالت:
— “توكيل عام بيع وتنازل! أهلاً وسهلاً يا أستاذ أحمد.. هو البيع لحساب مين بالضبط؟ لحسابك ولا لحساب الحجة سعاد؟”
لون أحمد اتغير ووشه أصفر، بص لي وقال بغضب:
— “مريم! إيه ده؟ ومين دي؟ أنتِ جايبة محامية في بيت أمك؟ هو أنا غريب؟”
طلعت موبايلي وفتحت صور المحادثات وحطيت الموبايل في وشّه وقلت له بصوت متزن برغم الغليان اللي جوايا:
— “لأ يا أحمد.. أنت مش غريب. أنت جوزي اللي بقاله تمن سنين بيعمل نفسه أب ليوسف، واللي سحب المبالغ دي من حساب تحويشنا عشان يشتري شقة لدينا ويحط الفلوس باسم أمه سعاد!”
أحمد اتعقد لسانه كلياً. والسمسار أخد شنطته بسرعة وقال:
— “يا جماعة أنا ماليش دعوة بالمشاكل العائلية دي، أستأذن أنا!” ونزل يجري على السلم.
فضل أحمد واقف في الصالة، وأمي بتبكي بصوت واطي.
حاول أحمد يغير لهجته ومسك إيدي وقال:
— “مريم.. افهميني بس! والله العظيم أنتِ فاهمة غلط.. دينا بنتي محتاجة مساعدة، وأنا كنت هاخد الفلوس دي كأرضية وهرجعها تاني اول ما أبيع شقة عين شمس!”





