
طردتها ابنتها من البيت… وبعدها اكتشفت الحقيقة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب
لم تكن السيدة أميليا يوما ممن يرفعون أصواتهم. فقد تعلمت منذ صغرها أن الحياة تقوم على الصبر وعلى الأيدي العاملة وعلى إيمان صامت لا يحتاج إلى تصفيق. كانت أرملة منذ سنوات طويلة تخيط ثياب الآخرين حتى تتخشب أصابعها وتغسل الساحات وهي منحنية الظهر وتكوي قمصان الناس بينما كان بخار المكواة في بيتها يمتزج بزفراتها الثقيلة. ومع ذلك لم تقل يوما يا لبؤسي. بل كانت تردد دائما ما دامت ابنتي بخير فكل شيء يستحق العناء.
نشأت كارلا ابنتها الوحيدة بين المقصات والخيوط وبين تضحيات لا تظهر في الصور. حرمت أميليا نفسها من الملابس الجديدة ومن الطعام الأفضل ومن الراحة كي تدرس كارلا وكي تنتعل حذاء سليما وكي لا تشعر يوما أنها أقل من غيرها. غير أن الحب لا يرد دائما كما نتخيل. فقد أصبحت كارلا متعجلة قاسية ومع مرور السنوات غلب عليها الغرور. من أولئك الذين يعتقدون أن الحياة مدينة لهم وأن عاطفة الآخرين واجب مفروض لا هدية تمنح.
ومع ذلك أرادت أميليا أن تبقى قريبة. لا بدافع الحاجة بل بدافع ذلك النوع من الحب الذي لا يعرف كيف ينسحب. وعندما تزوجت كارلا من ساندرو وهو رجل بارد قليل الكلام كثير النظرات انتقلت أميليا للعيش معهما لفترة مؤقتة كما قالوافي البداية. لكن تلك الفترة تحولت إلى عادة. كانت أميليا تطبخ وتنظف وتطوي الملابس وتعتني بالصغير صامويل الطفل البالغ من العمر أحد عشر عاما والذي كان الشيء الوحيد اللطيف في ذلك البيت الذي بدا كل ما فيه حاد الحواف.
كان الأمر مختلفا مع صامويل. كان يبحث عنها في صمت كأنه يعلم أن في ذلك المتجعد ملجأ آمنا. كان يجلس إلى جوارها وهي تخيط يستمع إلى حكايات عن زمن كانت فيه المدينة أصغر يضحك على نكات بسيطة ويتلقى قطعة من الكعك كأنها أفخر حلوى في العالم. وكانت أميليا تردد في داخلها من أجله يستحق الأمر. وحتى عندما كانت كارلا تؤذيها بالكلمات وعندما كان ساندرو يعاملها كقطعة أثاث قديمة كان صامويل يذكرها بأنها ما زالت إنسانة وأنها ما زالت ذات قيمة.
لكن هناك لحظة يتعب فيها المرء من طلب الإذن ليكون موجودا.
في تلك الظهيرة كان الصمت في البيت غريبا. لم يكن سلاما بل توترا مكبوتا كحبل مشدود قد ينقطع في أي لحظة. كانت أميليا في المطبخ تقلب الأرز بملعقة خشبية. كانت الرائحة متواضعة رائحة طعام بسيط رائحة بيت. تحركت يداها الموشومتان بسنوات التعب بحذر كأن ذلك الفعل المتكرر هو آخر ما يربطها بقيمتها.
في غرفة الجلوس كانت كارلا ممددة على الأريكة تمرر إصبعها على هاتفها بعينين متبرمتين كأن كل ما حولها عبء ثقيل. أما ساندرو فقد رفع قدميه على الطاولة يحدق في التلفاز بوجه متجهم كأن العالم بأسره مدين له بالصمت.
كانت أميليا تحاول ألا تصدر صوتا. تحاول أن تكون غير مرئية. لكن حتى الاختفاء أحيانا يصبح عبئا.
قالت كارلا بنبرة ضيق
أمي هل يمكنك التوقف عن ضرب الملعقة هكذا هذا الصوت يثير أعصابي.
خفضت أميليا رأسها كأن الملعقة كانت جريمة.
عذرا يا ابنتي لم أنتبه.
قاطعتها كارلا
دائما الأمر نفسه. دائما تزعجين.
لم يلتفت ساندرو حتى.
كارلا على حق. أمك قدمت ما لديها. الآن تعيق أكثر مما تفيد.
اشتعلت العبارة في داخل أميليا. لم تكن ضربة في الجسد بل طعنة بطيئة في الكرامة. عضت على شفتيها بحثت عن شيء تنظفه كي لا تبكي رتبت قطعة قماش وسوت فنجانا كأن ترتيب الأشياء قد يرتب الألم.
وفي تلك اللحظة وكأن القدر قرر التدخل انزلق الكأس من يدها. سقط على الأرض وتحطم إلى شظايا بصوت حاد شق الهواء كصرخة.
قفزت كارلا واقفة
مرة أخرى يا أمي! بالله عليك! ألا تستطيعين حتى إمساك كأس
ظهر صامويل عند باب المطبخ ساكنا بعينين واسعتين. نظر إلى الزجاج المتناثر ثم إلى وجه جدته. انحنت أميليا لتجمع القطع لكن كارلا اندفعت وانتزعت منها الممسحة.
كفى! صرخت كارلا كأنها تريد أن يسمعها العالم لم أعد أحتمل! أنت لا تجلبين سوى المتاعب! عليك أن تفهمي أخيرا أنت لا تنفعين لشيء!
تمتم ساندرو ببرود
لقد حان الوقت.
تجمدت أميليا في مكانها. لا خوفا بل خجلا. حزنا. ذلك الإحساس بأن الحياة تدفعك إلى زاوية وتتركك هناك بلا هواء. بحثت بعينيها عن صامويل. كان يكتم دموعه ويداه ترتجفان وتقدم خطوة نحوها.
جدتي همس.
لكن كارلا أمسكت بذراعه بقسوة.
لا يا صامويل. هي سترحل. الآن.
نهضت أميليا ببطء كمن يحمل عمرا كاملا على كتفيه. لم تصرخ. لم تتوسل. لم تذكر كارلا بكل الليالي التي لم تنم فيها ولا بكل الوجبات التي حرمت نفسها منها ولا بكل المرات التي اختارت فيها ابنتها على حساب نفسها. دخلت الغرفة أخذت كيسا فيه القليل مما تملك وحقيبة فيها ملابس مطوية بعناية ثم عادت إلى غرفة الجلوس.
نظرت إلى كارلا للمرة الأخيرة. لم تكن نظرة كراهية بل نظرة وداع ذلك النوع من الوداع الذي يؤلم لأنه لا يعرف إن كان هناك عودة.
عندما خرجت من الباب ضرب وجهها هواء الليل البارد. كان الشارع شبه خال تضيئه مصابيح خافتة. مشت أميليا بلا وجهة والحقيبة تثقل كتفيها شاعرة بأن كل خطوة لا تبعدها عن بيت فحسب بل عن فكرة





