
روحت اتبرع بكليتي لجوزي
روحت أتبرع بكليتي لجوزي وفى اليوم اللي لبسوني فيه الروب الأزرق بتاع المستشفى ،الممرضة قربت مني و وشوشتنى يا مدام، أتأكدى إنك عارفة مين اللي هيستلم العضو بتاعك.
رديت عليها بثقة جوزي طبعاً، هيكون مين يعني؟
الممرضة اتسمرت في مكانها ونزلت عينيها في الأرض وقالت لا يا مدام.. الاسم اللي مكتوب هنا اسم تاني خالص.
أنا اسمي مريم، عندي 43 سنة، ساكنة في عزبة النخل في بيت صغير على قدي. سنين طويلة قضيتها ببيع طعمية وسندوتشات قدام مدرسة ابتدائي؛ في البرد والمطر والحر اللي يهد الحيل، عشان في الدنيا دي اتعلمت إن جوع العيال مبيستناش حد.
جوزي سيد كان شغال سواق دليفري. طول عمره كان راجل ناشف وقليل الكلام، بس كنت بقول في سري يا بت بكره ينصلح حاله، أكيد قلبه طيب. خلفنا شهد، عندها دلوقتي 8 سنين، وهي الحاجة الوحيدة النضيفة اللي طلعت بيها من الجوازة دي.
كل حاجة بدأت تتهد لما سيد تعب وجاله فشل كلوي.
البداية كانت رجليه اللي بتورم.
بعدها الهمدان اللي مبيسيبوش.
وبعدين المشاوير اللي مابتخلصش للمستشفيات الحكومي، والتحاليل، وجلسات الغسيل، والممرات الزحمة، وريحة الكلور والقهوة المغلية في المكن.
الدكتور قال مفيش حل غير زرع كلية.
مترددتش ثانية واحدة. وقلت لو فصيلتي تمشي معاه، أنا هتبرع.
سيد حتى ما فكرش يحضنني ولا يشكرني.
بص لأمه الحاجة زكية.
الحاجة زكية ربعت إيديها واتنهدت كأني أخيراً عملت حاجة عدلة في حياتي وقالت أيوه كدة، ده اللي كان ناقص.. بعد السنين اللي طفحتي فيها من خير ابني، أقل واجب تنقذي حياته.
الكلمة نزلت في صدري زي السكينة، بس سكت.
لأني طول عمري ساكتة.
لما شهد كانت صغيرة وأرجع من الشغل ريحة إيدي زيتوخضرة، كانت تقول يا عيني على ابني اللي اتجوز بياعة طعمية.
ولما القرش يقل، تقول مريم مابتفهمش في التدبير.
ولما سيد يرجع وشيرته ريحتها برفيوم حريمي مش بتاعي، تقول يا بنتي الراجل بيزهق من الوش اللي بيشوفه كل يوم.
كنت بسكت.. بس كنت بشيل جوايا.
سجلت مكالمات.
صورت رسايل.
شلت فواتير.
اتعلمت إني أحمي نفسي لما لقيت مفيش حد بيحميني.
رحلة التبرع كانت تهد الحيل. سحبوا مني دم لما دراعي ازرقّ. إشاعات، تحاليل، مقابلة أخصائية اجتماعية، توافق أنسجة.. كنت بخرج من المستشفى أقف على العربية أبيع طعمية عشان المصاريف مابتستناش.
سيد في الشهور دي بقى حنين زيادة عن اللزوم.
زيادة أوي.
بقى يجيبلي قهوة، يقولي يا بطلة، يمسك إيدي قدام الدكاترة.
بس في البيت كان وش تاني خالص.
قالي ليلة وأنا بطبق الغسيل اوعي ترجعي في كلامك يا مريم، إنتي خلاص دخلتي في الجد.
قلتله مش هرجع، بس خايفة.
رد بحدة أنا اللي خايف، أنا اللي بموت!
الكلمة وجعتني، قلتله ما أنا كمان داخلة غرفة عمليات يا سيد.
رمى قميصه على السرير وقال ببرود بلاش دراما، دي كلية.. مش قلبك يعني!
الجملة دي فضلت محفورة في قلبي. لأنه كان شايف جسمي مجرد قطع غيار.
أول حاجة غريبة حصلت كانت يوم خميس.
الحاجة زكية جات ومعاها دوسيه أصفر وادته لسيد في المطبخ. وأنا بغسل المواعين لمحت ورقة عليها اسمي، وتحت اسمي كان مكتوب اسم ياسين.
سألتهم مين ياسين ده؟
حماتي قفلت الدوسيه بسرعة وقالت ده عيل في المستشفى، إنتي إيه اللي حشر مناخيرك في اللي مالكيش فيه؟
قلت لها أنا شفت اسمي مكتوب.
سيد قام وقف بسرعة دي إجراءات ورقية يا مريم، إنتي مش هتفهمي في لغة الدكاترة، بلاش أوهام.
مسكت نفسي وسكت.
بالليل، وسيد في الحمام، فتشت جيوب بنطلونه. لقيت ورقة مطبقة فيها عنوان في المهندسين وملحوظة بخط إيده الجمعة الساعة 6.. هاتي شهادة ميلاد ياسين.
صورت الورقة بالموبايل.. ومطقتش بكلمة.
يوم الجمعة مشيت وراه.
أيوة، مشيت وراه زي الستات المجنونة اللي كان بيقعد يتريق عليهم.
ركبت ميكروباص ولبست كاب بتاع شهد ونضارة شمس رخيصة.
سيد نزل في شارع هادي في المهندسين، عمارات قديمة وشجر عالي.
ضرب جرس شقة.
فتحت له ست صغيرة في السن.
لا كانت ممرضة، ولا دكتورة.
كانت زي القمر، شعر طويل، ضوافر حمراء، ولابسة روب ستان بمبي.
ومن وراها طلع ولد صغير رفيع، يجي عنده 8 سنين، شايل في إيده لعبة ديناصور.
الولد صرخ بفرحة بابا!.. واترمى سيد.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
بابا؟
سيد جوزي؟
وقفت في ركن الشارع، رجلي بتترعش وضربات قلبي زي الطبول.
شاله
والست حطت إيدها على كتفه ودخلوا وقفلوا الباب.
فجأة كل حاجة نورت في دماغي.
البرفيوم.
السهر بره البيت بحجة الشغل.
الفلوس اللي بتختفي.
المكالمات اللي كانت بتتقفل أول ما أدخل الأوضة.
بس لسه في لغز.. ليه اسمي محطوط في ورق الولد ده؟
سيد رجع البيت متأخر. كنت قاعدة على التربيزة ومعايا كوباية شاي سادة باردة.
سألته كنت فين؟
قال بكذب كنت عند عبده الميكانيكي بنبص على العربية.
قلتله غريبة، عبده كلمني الساعة 6 يسألني على شغل.
وشه اتخطف وقال متبدأيش بقى نكد.
سألته مباشرة مين ياسين يا سيد؟
ملامحه اتغيرت.. مش مفاجأة، ده كان خوف.
قلتلك عيل في المستشفى!
والعيل ده بيقولك يا بابا ليه؟
لطشني بالقلم.
موقعنيش من طولي، بس القلم ده كسر آخر حتة كانت باقية له في قلبي.
شهد طلعت تجري من أوضتها بابا!
سيد رفع إيده كأنه هيسكتها هي كمان.
وقفت قدام بنتي زي السد إيدك متلمسش بنتي.
الحاجة زكية كانت قاعدة في الصالة متفردتش، قالت ببرود أنا قلتلك يا سيد، الولية دي هتخرب كل حاجة.
تخرب كل حاجة؟ وكأني أنا اللي مذنبة!
تاني يوم رحت المستشفى ووشي وارم وداريت الزرقان بالنضارة. قلت وقعت من على السلم. الموظفة مكنتش مصدقة بس مسألتش، وادتني إقرار موافقة عشان أمضيه.
هنا شفت المصيبة.
خانة المستفيد، كان فيه لزقة بيضاء محطوطة فوق الاسم بغشم.
قشرت حرف اللزقة بضفري.
لقيت مكتوب ياسين سيد حسن.
مش سيد.
مش جوزي.
ياسين.
نفسي انقطع. شلت الورقة في شنطتي وطلبت نسخة تانية بحجة إن دي اتبلت مية. الموظفة ادتني غيرها وهي مستغربة.
بعد الظهر رحت لمحامية أعرفها، كانت زبونتي وبتاخد مني طعمية دايماً، اسمها الأستاذة كريمة. مكتبها فوق مكتبة في السوق.
حطيت قدامها كل حاجة الصور، التسجيلات، ورق التبرع، العنوان، ولقطة لشهادة ميلاد ياسين كنت لقطتها من موبايل سيد وهو نايم.
قرت الورق في صمت.. وبعدين بصت لي بجدية يا مريم، دي مش مجرد .
أومال إيه؟
دي عملية نصب وتزوير. هما بيستغلوكي عشان تتبرعي لشخص تاني من غير علمك، ودي جريمة جنائية.
حسيت إني هترعش يعني كانوا هيفتحوا بطني وياخدوا كليتي عشان يدوه ؟
المحامية مردتش فوراً.. والصمت ده كان أرعب رد.
قالت لازم تجيبي الملف الطبي الكامل.. ومتمضيش على أي ورقة تانية.
بس سيد كان خلاص حدد ميعاد العملية.
والحاجة زكية كانت مرتبة لكل حاجة.
قبل العملية بيومين، حماتي جات بيتي ومعاها سبحة في إيد وكيس عيش في الإيد التانية، كأنها ملاك.
قالت لي عايزة بكرة تبقي هادية، ابني مش حمل قلق.
قلت لها أنهي ابن فيهم؟ سيد ولا ياسين؟
ضحكتها اختفت إنتي بتقولي إيه؟
أنا عارفة كل حاجة يا حاجة زكية.
قربت مني لدرجة إني شميت ريحة البرفيوم الرخيص اللي كانت في





