قصص قصيرة

دخل أبُ صاحب المعرض بثيابٍ بسيطة ليشتري سيارة… فأُهين وطُرد! وعندما كُشفت الحقيقة، تجمّد الجميع من الصدمة

نصف ساعة دخل إميليانو كالعاصفة. وما إن رأى أثر الصفعة على خد أبيه حتى اغرورقت عيناه. احتضنه بحذر كأن العالم قد يؤذيه إن لمسه مرة أخرى.
سامحني همس لم أكن أعلم.
ربت دون سيفيرينو على شعره كما كان يفعل حين كان طفلا.
ليست ذنبك يا بني. أردت فقط أن أشعر بالفخر.
ابتعد إميليانو قليلا وبدا في عينيه تصميم غريب. فتح خزانة وأخرج ثيابا قديمة وصندلا وقبعة.
سنعود يا أبي. لكن لا كدون سيفيرينو رويدا والمالك. سنعود كما يظنوننا فقيرين. أريد أن أرى إلى أي حد تصل مأساتهم مأساتهم هم.
ولماذا يا بني سأله الشيخ بقلق الأمر انتهى.
لم ينته قال إميليانو اليوم ضربوك أنت وغدا سيضربون غيرك. وإذا كان اسمي هناك فمسؤوليتي هناك أيضا.
عادا إلى المعرض. كان الزجاج يلمع كما هو كأن شيئا لم يحدث. ابتسم الحارس الشاب بسخرية
عاد السيد! ومن هذا الصهر
خفض إميليانو رأسه وقال بهدوء
نريد فقط رؤية سيارة.
تفضلا ضحك ليطردوكما مرة أخرى.
عرفتهما باتريسيا وعدلت أحمر الشفاه بابتسامة خبيثة.
أنتما مجددا هل أحضرتما العائلة كلها
ضغط إميليانو على قبضته ثم تماسك.
نريد فقط أن نرى سيارة.
لا تمزح سخرت أنتما لا تملكان حتى ثمن فتح الباب.
ظهر غوستافو ولمع فيعينيه ذلك البريق القاسي الذي لا يأتي من الثقة بل من لذة الإذلال. تقدم خطوة كأن الأرض ملكه ثم قبض على ياقة قميص إميليانو بعنف متعمد حتى انثنت القماشة تحت أصابعه.
أما فهمتما زمجر بصوت منخفض فيه احتقار يكفي لإسكات قاعة كاملة.
حاول دون سيفيرينو أن يتقدم أن يقول كلمة واحدة تعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي نحن بشر. لكن الحارس الأقرب دفعه بقسوة كأن جسد الرجل العجوز لا وزن له. ترنح دون سيفيرينو ولم يجد ما يسند نفسه عليه فسقط على ركبتيه فوق الأرض اللامعة التي كانت قبل دقائق تشبه مرآة للفخامة فإذا بها تتحول إلى مرآة للعار.
انطلق ألم حاد من مفاصل ركبتيه وخرجت منه أنة قصيرة مكسورة ليست أنة وجع جسدي فحسب بل أنة رجل أدرك في لحظة واحدة كم يمكن للناس أن يسحقوا كرامة إنسان لأن ثوبه ليس فخما أو لأن صوته ليس عاليا.
تجمد إميليانو في مكانه.
لم يتحرك فورا. لم يصرخ. لم يظهر غضبه كما كان يريد. كان في داخله شيء يشتعل شيء كبير جدا لكنه شده إلى الخلف. قال لنفسه في صمت انتظر لا تتعجل. أرد أن أرى الحقيقة كاملة كي لا يجرؤ أحد بعد اليوم أن يلتف عليها أو يبررها.
رفع عينيه نحو غوستافو. رأى في وجهه نشوة سريعة مثل نشوة من يظن أنه انتصر على ضعيف لا يملك ردا. ورأى الحراس يتبادلون نظرات متفاهمة كأن ما يحدث جزء من طقوس معتادة الإهانة أولا ثم الطرد ثم يعود كل شيء إلى لمعانه كأن شيئا لم يكن.
كان الهواء ثقيلا. حتى الزبائن الذين كانوا يراقبون المشهد من بعيد تراجعوا خطوة لا لأنهم خافوا من الظلم بل لأنهم خافوا من أن يلامسهم شيء من الحقيقة.
وفي اللحظة التي ظن فيها غوستافو أن كل شيء انتهى وأن الرجل العجوز سيسحب إلى الخارج كما سحب سابقا جاء صوت مرتجف من الخلف صوت لم يكن قويا لكنه كان صادقا لذلك اخترق المكان كالسهم
توقفوا!
التفتت الرؤوس معا.
كان رجلا مسنا يركض بخطوات غير متوازنة يرتدي زي الموظفين ويداه ملطختان ببقع الزيت وكأنه خرج للتو من ورشة خلفية. كان دون توماس. رجل قضى عمره بين المحركات والمسامير يعرف الأسماء لا من بطاقات التعريف بل من الأيام الطويلة والجهد والعرق والوفاء.
توقف أمام دون سيفيرينو كأنه يرى طيفا من الماضي. حدق في وجهه لحظة طويلة ثم فرك عينيه ثم أعاد النظر وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه كيف يكون هو هنا بهذه الهيئة يدفع ويهان
ثم تحولت نظراته إلى إميليانو. وتغير وجهه في ثانية واحدة. ليس خوفا بل دهشة ممزوجة بحزن عميق. وضع يده على صدره كأن قلبه تذكر شيئا قديما فجأة.
قال بصوت خافت في البداية ثم ارتفع شيئا فشيئا حتى صار واضحا للجميع
هذا هذا دون سيفيرينو والد صاحب الشركة. وهذا الشاب الشاب هو إميليانو رويدا المالك.
لم تكن الجملة مجرد تعريف. كانت كفا تصفع الغرور في وجوههم. كانت الضوء الذي سقط فجأة فوق قناع صنعوه لأنفسهم.
تجمد المكان.
شحب وجه باتريسيا شحوبا مفاجئا كأن الدم انسحب من عروقها في لحظة. توقف أحد الحراس عن الضحك وبقي فمه نصف مفتوح. سقطت الملفات من يد كانت قبل ثوان تلوح بالقوة. أما غوستافو فأفلت ياقة قميص إميليانو كأن القماش صار جمرة تحرق يده.
لم يعد صوت المكيف مسموعا. لم يعد لمعان الأرضية مهما. صار كل شيء فجأة صغيرا أمام حقيقة واحدة أنهم لم يهينوا فقيرا بل أهانوا إنسانا وأهانوا والد مالك المكان.
اقترب إميليانو خطوة ببطء. لم يرفع صوته. لم يحتج إلى ذلك. كان في صمته ما يكفي لإسقاطهم.
انحنى قليلا نحو أبيه أولا كأنه يقدم اعتذارا صامتا عن وجع لم يكن ينبغي أن يحدث ثم استدار إلى الجميع وقال بنبرة هادئة حزينة
نعم. أنا المالك. والرجل الذي دفعتموه والذي ضربتموه والذي اعتقدتم أنه لا يستحق حتى أن ينظر إلى السيارات هو أبي.
تلعثم غوستافو حاول أن يبتسم ابتسامة

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى