
تظاهرتُ بالموت لاختبار خادمتي الخجولة… لكن ما قالته وهي تبكي دمّر كل ما في داخلي
«أنني… لا أريد أن أفقدك. لا أحتمل فكرة أن تختفي من حياتي، حتى وإن لم يكن لي حق فيك. وجودك صار جزءًا من أيامي، من صمتي، من خوفي، من طمأنينتي القليلة.»
وفي تلك اللحظة، بدا وكأن العالم توقّف عن الدوران فعلًا.
الأصوات خفتت.
المكان اتّسع ثم ضاق.
والزمن، ذلك الذي كنت أطارده طوال حياتي، توقف عند هذه الكلمات.
أنا— الرجل الذي لم يسمح لأي امرأة يومًا أن ترى دموعه، الذي تعلّم منذ وقت مبكر أن يُخفي ضعفه خلف المال والسلطة والمناصب، الذي أقنع نفسه أن القسوة نوع من الحماية— أقف الآن عاجزًا أمام امرأة واحدة، امرأة لم تكن تطلب شيئًا، ولم تكن ترفع صوتها، ولم تكن تعرف كيف تدافع عن نفسها بالكلمات، لكنها استطاعت أن تهزّ كل ما بنيته حول قلبي.
كنتُ أخشى النظر إليها لأشهر، ليس تجاهلًا، بل خوفًا.
خوفًا من أن أرى في عينيها شيئًا يشبهني.
خوفًا من أن أكتشف أنني، رغم كل ما أملكه، كنتُ أفقر مما ظننت.
اقتربتُ منها بهدوء، بخطوات محسوبة، بحذر يشبه احترام الاعتراف الأخير، وقلتُ:
«مارا… لو كنتِ تعلمين… أنتِ أول شخص يُظهر لي لطفًا خالصًا، دون مصلحة، دون طلب،دون انتظار مقابل. لم تحاولي يومًا أن تقتربي، ولم تفرضي نفسك، ولم تطلبي مني شيئًا. كنتِ تعطين فقط، لأن قلبك يعرف كيف يفعل ذلك، دون أن يسأل: ماذا سأحصل في المقابل؟»
رفعت نظرها إليّ ببطء، وفي تلك اللحظة رأيت الحقيقة التي أخفتها لعامين كاملين، حقيقة لم تُصَغ في كلمات، بل في نظرات صامتة:
حبًا لا يطالب.
اهتمامًا لا يقيّد.
وخوفًا عميقًا من التعلّق، ثم الانكسار.
كان حبها هادئًا، خجولًا، يشبهها.
لم يكن صاخبًا، ولا متطلبًا، ولا متعجّلًا.
كان حبًا ينتظر بصمت، ويكتفي بالقرب، ويخاف من أن يمدّ يده فيُرفض.
قلتُ بصوت هادئ، خرج هذه المرة من قلبي لا من عقلي:
«لم أرد إيذاءك. لم أرد يومًا أن أكون سبب ألمك. لكنك أيقظتِني من غفلة طويلة. جعلتِني أرى نفسي دون الزينة التي أخفيت بها خوفي سنوات. أعدتِ نبض قلبي الذي كان ميتًا منذ زمن، وأعدتِ لي إحساسي بأنني إنسان، لا مجرّد اسم على باب شركة، ولا منصب يُخشى الاقتراب منه.»
تنفّست بعمق، وكأنها تحاول أن تستوعب ما تسمعه، ثم انهمرت دموعها بصمت. لم تكن دموع ضعف، بل دموع إنسانة طال انتظارها. وقالت:
«سيدي… لاتقل ذلك إن لم تكن تعنيه حقًا. لا أحتمل كلمات جميلة لا تعيش طويلًا. تعبتُ من الأمل الذي يُقال ثم يُسحب.»
نظرتُ إليها بثبات لم أعرفه في نفسي من قبل، بثبات رجل قرر أخيرًا أن يتوقف عن الهرب، وقلتُ بلا تردّد:
«أعنيه.
وأعنيه بكل ما في الكلمة من معنى.
ومن الآن فصاعدًا… لا أريدك أن تناديني بـ“سيدي” بعد اليوم. لا أريد أن أكون أعلى منك، ولا بعيدًا عنك، ولا محاطًا بحواجز تصنع الخوف. أريد أن أكون إنسانًا عاديًا… معك.»
هزّت رأسها مبتسمة ابتسامة خجولة، تلك الابتسامة التي لم أرها إلا نادرًا، وفي عينيها دهشة طفل يسمع لأول مرة ما كان يخشى أن يتمناه، وقالت:
«وماذا يجب أن أناديك إذن؟»
اقتربتُ أكثر، وأمسكتُ بيدها الباردة. كانت يدها صغيرة في يدي، لكن دفئها اخترقني كما لم يفعل شيء من قبل. شعرتُ لأول مرة أن يدي ليست وحيدة في هذا العالم، وأن هناك من يمسك بها لا ليأخذ، بل ليبقى.
قلتُ بهدوء:
«لورينزو.»
وهناك…
ضحكت للمرة الأولى.
لم تكن ضحكة عالية، بل ضحكة خفيفة، صادقة، كأنها خرجت من مكان آمن داخلها. ضحكة كسرت كل الجدران التي بنيتها حول قلبي حجرًا حجرًا،وأسقطت كل الخوف الذي عشت به سنوات، وأعادت ترتيب العالم من حولي دون أن تطلب إذنًا.
وهناك… استسلمتُ أخيرًا.
لا لضعف.
بل لحقيقة كنت أهرب منها منذ زمن طويل.
الآن، مضى عام كامل ونحن معًا.
عام لم يكن سهلًا دائمًا، لكنه كان حقيقيًا.
لم تعد خادمة.
لم تعد تمشي خلفي بخطوة.
أصبحت رفيقتي في كل عشاء هادئ، نجلس فيه دون تكلّف.
رفيقتي في كل حديث طويل يمتد حتى منتصف الليل، حيث نتحدث عن أشياء بسيطة لم أكن أراها من قبل.
رفيقتي في كل بداية جديدة، لم أكن أؤمن بها، ولم أكن أظن أنني أستحقها.
أصبحت البيت الذي لم أكن أعلم أنني أبحث عنه، ولا أعرف كيف عشت كل تلك السنوات بدونه.
وأحيانًا، حين يهدأ كل شيء، تبتسم وتقول لي بنبرة ما زالت تحمل شيئًا من خجلها الأول:
«لو لم تختبرني في ذلك الوقت… هل كنت ستعرف الحقيقة؟»
فأجيبها دائمًا، دون تردّد:
«لا.
والحمد لله أنني فعلت— ليس لأن الخدعة كانت صوابًا، بل لأنك كنتِ الحقيقة. لأنني هكذا وجدت المرأة التي أعادت ترتيب حياتي من جديد، دون أن تطلب شيئًا سوى أن أكون صادقًا معها… ومع نفسي.»
أما أنا؟
لم أعد أتظاهر بالموت.
لم أعد أختبر القلوب.
لم أعد أهرب من المشاعر.
فبسببها—
عدتُ حيًّا…
حيًّا حقًا.





