قصص قصيرة

كنتُ أسرق طعامه كلّ يوم… حتى علّمتني قطعة خبز معنى الغِنى الحقيقي

أن يصلح ما كسر ولو ببطء
ويحاول أن ينصت أكثر مما يتكلم.
بدأت أختار كلماتي كما يختار الطريق في ليلة معتمة
وأحسب خطواتي قبل أن أقدم عليها
وأتوقف قبل أن أؤذي حتى لو كان الأڈى مجرد مزحة كما كنت أسميها سابقا
لأنني أدركت متأخرا أن المزاح حين يجرح لا يكون مزاحا.
ووعدت نفسي وعدا حقيقيا
وعدا لم أعلنه ولم أحتج أن يسمعه أحد سواي
لكنني كنت أعرف في أعماقي أنه وعد لا يحتمل الخېانة
ما دام في جيبي مال
وما دام في قلبي وعي
وما دام في صدري شيء يشبه الضمير
فلن تجوع أم توماس مرة أخرى
ولن يشعر هو يوما أن كرامته قابلة للمساومة أو السخرية.
ولم يكن ما فعلته بعدها صدقة
ولا محاولة لتلميع صورة أو تكفير ذنب علني
كان دينا.
دينا ثقيلا نعم
لكنه دين جميل
لأنه لا يثقل الروح بل يحررها.
دينا لقطعة خبز قاسېة
لم تشبع معدة طفل فحسب
بل أيقظت إنسانا كان نائما في داخلي
إنسانا لم يعرف أنه كان غائبا حتى تلك اللحظة.
تلك القطعة الصغيرة علمتني درسا
لم تعلمه لي قصورنا
ولا مدارسنا المزينة
ولا أموالنا التي كانت تتكاثر دون أن تضيف شيئا إلى أرواحنا
أن هناك أناسا يملكون جيوبا فارغة
لكن قلوبهم ممتلئة حتى الفيض
وأن هناك آخرين يملكون كل شيء
ولا يملكون أنفسهم.
وهكذا اكتشفت أخيرا الحقيقة التي كنت أهرب منها طويلا
الحقيقة التي كانت تلاحقني في صمت
أنني لم أكن أسرق طعام زميلي كل يوم
بل كنت أسرق من نفسي آخر فرصة لأكون إنسانا جديرا باسمه.
لكن تلك الرسالة الصغيرة
المكتوبة بحبر أم جائعة
وبقلب ممتلئ بالحب أكثر من الخبز
لم تنقذ توماس وحده
بل أعادتني أنا أيضا
وأعادت إلي إنسانيتي التي ظننت يوما أن المال يغني عنها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى