
طردتها ابنتها من البيت… وبعدها اكتشفت الحقيقة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب
فكرة أن الحب يجد دائما مكانا.
جلست على مقعد في ساحة عامة ترتجف. جفف الهواء دموعها قبل أن تسقط. رفعت عينيها إلى السماء المظلمة تبحث عن إجابة لكن السماء لم تتكلم. كانت هناك فقط واسعة وبعيدة.
أأنت السيدة أميليا صوت ناعم متفاجئ مليء بالاهتمام.
التفتت فرأت دالڤا الجارة من الجهة المقابلة تحمل أكياسا من المتجر وملامح القلق على وجهها.
ماذا تفعلين هنا وحدك في هذا الوقت
ابتلعت أميليا ريقها.
ليس لدي مكان أذهب إليه.
وضعت دالڤا الأكياس على المقعد كأنها أخف من تلك الجملة وأمسكت بيديها.
إذن ستأتين معي. لا نقاش. لا أحد لا أحد يبيت في الشارع.
كان بيت دالڤا صغيرا جدرانه بالية لكنه مضاء بدفء . تفوح منه رائحة القهوة الطازجة وكعك الذرة. لم يكن هناك ترف كان هناك ما هو أفضل احترام. قدمت لها دالڤا شايا وجلست إلى جوارها دون استعجال.
حدثيني يا أميليا ماذا حدث
وتكلمت أميليا. بين رشفات وبين صمت وبين توقفات قالت أكثر مما تستطيع الكلمات قوله. تحدثت عن الاحتقار عن العيون التي تخترقها كأنها غير موجودة عن ذراع صامويل الممسوك بالقوة وعن عبارة لا تنفعين لشيء التي ما زالت تصدح في صدرها.
لم تقاطعها دالڤا. كانت فقط تضغط على يدها أحيانا كأنها تقول أنت لست وحدك.
وعندما انتهت الحكاية ظلت أميليا تنظر إلى الأرض. ثم قالت بصوت منخفض كمن يعترف بسر ثقيل
لقد ادخرت مالا طوال حياتي.
رمشت دالڤا بدهشة.
مالا
أومأت أميليا بلا فخر ولا مباهاة بل بتعب.
مليونا دولار.
فتحت دالڤا فمها لكن لم يخرج حكم ولا طلب ولا فضول. فقط دهشة وحزن لأنها فهمت شيئا أحيانا لا تخفى الثروة طمعا بل خوفا من أن يستغل صاحبها وخوفا من أن يتحول الحب إلى مصلحة.
لم أخبر كارلا أبدا تابعت أميليا كنت أريد أن أساعد يوما ما. لكنني الآن أفهم أن ليس الجميع يستحق المساعدة بالطريقة نفسها. وأنا أعرف ماذا سأفعل بهذا المال.
نظرت إليها دالڤا باحترام.
ماذا ستفعلين
تنفست أميليا بعمق وللمرة الأولى تلك الليلة ابتسمت ابتسامة صغيرة حازمة.
سأساعد من نظر إلي في عيني.
ومضت الأيام التالية هادئة على أميليا كما لم تتذكر من قبل. عاملتها دالڤا كأخت كبرى. كانت تطهو لها وتغطيها ببطانية حين يتسلل البرد وتحدثها عن أمور بسيطة المطر الجارة الثرثارة مسلسل العصر. وكانت أميليا في المقابل تساعد بما تستطيع تخيط ثنية تغسل طبقا تصلح زرا. وببطء لم تعد الحزن حفرة بل جرحا لا ينزف كثيرا.
في إحدى الأمسيات أمسكت أميليا بيد دالڤا.
أريد مساعدتك أنت أيضا. أنت وزوجك عاملتماني بكرامة دائما. أريد ترميم هذا البيت ودفع ثمن أدوية دون جواو ومنحك بعض الطمأنينة.
بدأت دالڤا تهز رأسها باكية.
لا لا أستطيع
أوقفتها أميليا بحزم لطيف.
هذا ليس إحسانا. هذا امتنان. ولا أحد سيحرمني حق الشكر.
بعد ذلك بوقت قصير انتقلت أميليا إلى دار للمسنين. لم يكن مكانا فاخرا لكنه نظيف ومشرق وله حديقة تفوح منها رائحة الزهور والخبز المحمص. هناك كانوا ينادونها باسمها. هناك كانوا يقولون لها صباح الخير. هناك كانوا يسألونها كيف تشعرين. وكان هذا السؤال البسيط أغلى من أي أريكة فاخرة.
قدمت أميليا تبرعا كبيرا للدار دون ضجيج لتحسين الغرف وشراء الأدوية وزراعة مزيد من الأشجار. تغيرت الجدران ودبت الحياة في المكان. أولئك المسنون الذين كانوا يمشون كأشباح صاروا يبتسمون وكأن أحدهم أعاد إليهم جزءا من شبابهم.
لكن أميليا لم تنس صامويل.
في أحد الأسابيع جاء الطفل يحمل رسما مطويا بعناية. كان متوترا يلتفت خلفه كأنه يخشى أن يوبخ لأنه دخل.
جدتي رسمتك في الحديقة مع الزهور.
أمسكت أميليا الورقة واغرورقت عيناها. كمن يتمسك بشيء حقيقي.
يا صغيري يا صامويل.
جلسا على مقعد تحت الظل وتحدثت معه كما تقال الكلمات التي تغير حياة.
اسمعني جيدا قالت وهي تمسك بيديه لدي مال مدخر. كثير. لكن المال ليس الأهم. أريدك أن تستخدمه عندما تبلغ الثامنة عشرة.
فتح صامويل عينيه بحيرة.
وأمي
زفرت أميليا بحزن بلا كراهية.
أمك تحتاج أن تتعلم شيئا لم يتعلمه أحد لها أن الاحترام لا يشترى. ستكبر وأنت تفهم هذا. وإن امتلكت يوما الكثير فليكن للخير لا للتعالي.
ابتلع صامويل ريقه ونظر إلى جدته كأنه يراها لأول مرة بقوتها.
أعدك أنني لن أسيء إليك أبدا همس أبدا.
ربتت أميليا على شعره.
أعلم ذلك يا حبيبي. أعلم.
كالعادة انتشر الخبر في المدينة همسا. هل سمعت أم كارلا قدمت تبرعا ضخما لدار المسنين. يقولون إنه مبلغ هائل. سمعت كارلا هذه الأحاديث في السوق وهي تختار الفاكهة وشعرت بأن جسدها يتجمد.
كيف مال أمها تلك التي كانت تعد العملات لشراء الخبز
لم تنم تلك الليلة. اختلطت الصور في ذهنها أميليا بثيابها القديمة أميليا تنظف أميليا تعتذر عن وجودها. وفوق كل ذلك سؤال يحرق هل أخفت عني شيئا طوال هذا الوقت
في اليوم التالي ذهبت كارلا إلى الدار. مشت وهي تحمل كبرياءها لكن قلبها كان يخفق بسرعة. عندما دخلت رأت الزهور في الحديقة والمسنين يضحكون تحت شجرة وموسيقى هادئة تنبعث من ممر. كان المكان بسيطا لكن فيه سلام. وشعرت كارلا لأول مرة أن السلام ربما كان ما تبحث عنه أمها دائما.
قادتها الموظفة إلى الحديقة.
كانت أميليا هناك. جالسة على مقعد كتاب في حجرها ونظارة على طرف أنفها. كان





