قصص قصيرة

لم تُنجبهم… لكنها صنعت منهم طيّارين أنقذوا مئات الأرواح

أعلم. كنت أعلم أنكما لن تتركا الأمر.
بعد سنوات حين رحلت ماريا بسلام في نومها لم تترك وراءها ذهبا ولا أراضي. تركت إرثا من ثلاثمئة حياة أنقذت فوق المحيط الهادئ وآلافا أخرى لامستها مؤسستها.
في جنازتها وضعت ورود بيضاء على نعشها. ومع نهاية المراسم نفذت أربع طائرات نفاثة من الأكاديمية عرض الرجل المفقود.
وحين ارتفعت الطائرة القائدة عموديا واختفت في زرقة لا نهائية رفع الحضور أنظارهم. كان ميغيل ودانيال واقفين وقد أصبحا قبطانين مخضرمين. أديا التحية للسماء وعيونهما صافية مملوءة بحب يتجاوز الأرض.
همس ميغيل
انتهت الرحلة يا أمي.
وأضاف دانيال
لكن الأجنحة التي منحتنا إياها لن تتوقف عن الطيران.
هبت نسمة تحمل عبق أزهار السامباغيتا ولبرهة بدا وكأنها ضحكة فخر ناعمة لمعلمة علمت العالم أن أقوى محرك في الكون هوقلب الأم.
لم ينته إرث ماريا سانتوس برحلة أخيرة أو قبر صامت. بل تحول إلى حركة حية نابضة. أصبحت مؤسسة أجنحة سانتوس أرقى منحة طيران في جنوب شرق آسيا لكنها تميزت بشيء واحد لم تكن تبحث فقط عن أعلى الدرجات بل عن النار الخفية الأطفال الذين صمدوا في أقسى العواصف.
بعد عشر سنوات من رحيل ماريا أقيم حفل تخرج جديد في أكاديمية الطيران في مانيلا.
وقف ميغيل ودانيال على المنصة وقد شاب الصدغين. أمامهما جلس خمسون خريجا من أفقر أقاليم الفلبين. من بينهم فتاة شابة تدعى إلينا قضت طفولتها تجمع المعادن من أحياء توندو الفقيرة.
حين صعدت لتسلم جناحيها لم يقدم لها ميغيل الشارة فقط بل ناولها كتابا قديما مهترئا كتاب رياضيات كتب على غلافه الداخلي م. سانتوس.
قال
كان هذا لوالدتي. علمتنا أن الأصل لا يحدد الارتفاع. اليوم أنت لست مجرد طيارة بل دليل حي على أن الحب هو أقوى وقود.
احتضنت إلينا الكتاب إلى صدرها واغرورقت عيناها بالدموع. نظرت إلى الجمهور حيث جلست جدتها امرأة قست يداها من سنوات الغسيل تبكي فخرا. اكتملت دورة التضحية.
في تلك الليلة سار ميغيل ودانيال على شاطئ المدينة الإقليمية حيث بدأ كل شيء. لم يعد سكن المعلمات القديم موجودا بل حل مكانه مبنى مدرسي حديث يحمل اسم والدتهما.
بدأت الشمس تغيب واصطبغ بحر الفلبين بألوان الذهب المصهور والبنفسجي العميق.
قال دانيال
هل تعتقد أنها تراقبنا
ابتسم ميغيل وأخرج من جيبه ورقة قديمة محفوظة في غلاف بلاستيكي
أرجوكم دعوا أحدا يتكفل بتربيتهما. لم تعد لدي القدرة
قال
إنها لا تراقبنا فقط. إنها الريح التي تحملنا والضوء على المدرج حين يشتد الضباب. لم ترب طفلين فقط بل أثبتت أن قلب الأم خريطة يمكن أن تقود أي إنسان خارج الظلام.
فجأة شق هدير محرك صمت الغسق. حلقت طائرة تدريب صغيرة فوقهما وأضواؤها تومض بإيقاع في السماء الداكنة.
وقف الشقيقان جنبا إلى جنب يراقبان الطائرة ترتفع حتى صارت نقطة بين النجوم.
تروى قصة ماريا سانتوس لكل مجند جديد ولكل راكب قلق ولكل طفل يشعر أن العالم تخلى عنه. إنها قصة تذكرنا بأن الدم مجرد بيولوجيا أما الأمومة فهي اختيار. اختيار البقاء حين يرحل الآخرون والعطاء حين لا تملك شيئا والإيمان بأفق لا يراه سواك.
ومع تلاطم الأمواج بهدوء على الشاطئ بدا العالم وكأنه يهمس بحقيقة أخيرة مقدسة
بعض الأمهات ينجبن الحياة
لكن أعظم الأمهات يمنحن الحياة سببا لتطير.
وفي السماء الواسعة فوق الفلبين بقيت النجوم مشرقة منارات أبدية لكل روح تجرؤ على الحلم موجهة إلى الأبد بمعلمة باعت تذاكر اليانصيب لكنها وهبت القمر

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى