قصص قصيرة

قالوا “اتّسخت قليلًا”… لكن اللي شفته على بنتي خلّى المدرسة كلها تهتز!

متعمدة لإيذاء من اعتادوا أن يظنوا أنها لا تملك حماية.
وعندما بدأت الإدارة تبرر ظهرت فجوة لا يمكن ترقيعها كل تبرير كان يدينها أكثر. قالوا لم نكن نعلم أنه خطر فجاءت الفاتورة التي تظهر مواصفاته. قالوا الأطفال يبالغون فجاءت الرسائل التي تكشف التخطيط. قالوا حدثت مفاجأة فجاءت الشهادات التي تقول إن مريم حذرت مسبقا من مضايقات متكررة وإنها قوبلت بتلك الابتسامة التي تغلق الموضوع دون أن تنهيه.
وعندما وصلت الحقيقة إلى الإعلام تغيرت القصة. لم يعد السؤال ما الذي حصل بل كيف سمحتم أن يحصل عوقب الفتيان علنا ليس لأنهم فجأة فهموا بل لأن الضوء صار قويا بما يكفي ليجبر الجميع على الاعتراف. ونظفت البقع أمام الكاميرات. لكن الكاميرات لم تكن تصور القماش فقط كانت تصور تلك اللحظة التي يحاول فيها مجتمع كامل أن يقنع نفسه بأن ما حدث مجرد حادث ثم يجبر على الاعتراف بأنه كان اختيارا.
بعد أسابيع كشفت التحقيقات المستقلة نمطا متكررا من الانتهاكات ضد طلاب المنح. شكاوى قديمة كانت تغلق بكلمة سوء تفاهم شهادات كانت تخنق قبل أن تصل إلى مكتب حقيقي وأساليب إقصاء ناعمة تجعل الطفل يشعر أنه ضيف على حقه. اكتشفوا أن بعض الانتهاكات لا تأتي بصفعة بل بابتسامة وبنبرة نحن أفضل منك وبنظام يبتلع الضعفاء ثم يقول إنه لم يرهم.
وكانت أكثر النتائج إيلاما تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تدخل في التقارير عادة طالب منحة لا يدعى لرحلة بحجة خطأ إداري طالبة منحة تستثنى من فريق لأن ولي أمرها لن يساهم طفل يعود يوما بعد يوم وهو يظن أن المشكلة فيه لا في المكان. هكذا تصنع الانتهاكات بالتكرار الهادئ حتى يصبح الألم عادة.
استقالت المديرة. تنحى أعضاء مجلس الإدارة. أعيدت كتابة السياسات. لكن الأهم من الورق كان ذلك التغيير الذي بدأ يحدث بصعوبة داخل العيون أن اسم مريم لم يعد يذكر كقصة محرجة بل كمرجع. كحد فاصل. كشيء يقول للآخرين هنا وقفنا وهنا لن نعود إلى الوراء بسهولة.
لم يكن التغيير كاملا. بعض الناس ظلوا يهمسون ليش كبروا الموضوع لأن هناك من لا يرى العدالة إلا إذا لم تمسه. وهناك من يظن أن حماية طفل تقلل من هيبة مؤسسة. لكن شيئا واحدا كان قد حدث بالفعل الصمت انكسر. والشيء الذي ينكسر لا يعود كما كان.
أما مريم فعادت إلى المدرسة لا كضحية بل كنقطة مرجعية. دخلت من البوابة نفسها لكنها لم تدخل بالشعور نفسه. كانت تعرف الآن أن الحماية ليست حلما وأن العدل ليس كلمة تكتب في منشور بل قرار يتخذ حين تكون الأدلة واضحة وحين يكون هناك من يرفض أن يختزل ألم طفل في عبارة اتسخت قليلا.
في أول يوم لها بعد العودة كانت نظرات الطلاب مختلفة. بعضهم نظر إليها بإعجاب صامت وبعضهم نظر بخجل وبعضهم نظر لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع شخص صار اسمه علامة. لكن مريم لم تتصرف كمن عاد ليحاكم الجميع. تصرفت كمن عاد ليعيش. وهذا أصعب. أن تعيش في المكان نفسه بعد أن كشف وجهه وأن لا تسمح لوجهه القاسي أن يصبح وجهك أنت.
وحين وقفت على المسرح بعد أشهر لتعرض مشروعها عن السلامة الكيميائية لم يكن التصفيق شفقة بل احتراما. كان احتراما لطفلة لم تطلب أكثر من حقها ولأب لم يملك نفوذا ولا ذهبا لكنه امتلك شيئا كثيرون فقدوه القدرة على قول لا حين يحاول العالم أن يجعل نعم هي الخيار الأسهل.
وعدت أنا إلى سلمي ومطرقتي عارفا أن السلام ليس غياب القوة بل حسن استخدامها. وأن القوة لا تظهر في علو الصوت بل في سرعة المجتمع لتجاهل ألم من يراهم أقل شأنا. وأن العدالة الحقيقية ليست انتقاما بل محاسبة لا تستثني أحدا لأن الكرامة لا يجب أن تكون مشروطة ولأن الأطفال لا ينبغي أن يطالبوا بحقهم في الأمان كأنهم يطلبون امتيازا.
صرت أفهم شيئا آخر أيضا أن بعض الآباء لا يحتاجون إلى خطاب طويل كي يقاتلوا. يحتاجون فقط إلى لحظة يقررون فيها أن الصمت لن يكون إرثا لأطفالهم. وأن الخوفحتى لو كان أكبر منهملا يملك الحق أن يعلم أبناءهم كيف ينحنون.
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى