قصص قصيرة

كنتُ سأرمي وسادة زوجتي السابقة… لكن ما وجدته بداخلها جعلني أبحث عنها قبل فوات الأوان

ذهبت سألت متشبثا بمعجزة.
ترددت الممرضة.
ذكرت مكانا قرية. كافينتي لاغونا.
كافينتي.
عاد إلى ذاكرتي حديث قديم.
أريد أن أعيش قرب بحيرة يوما ما قالت.
مكان يتوقف فيه الزمن.
لم أعد إلى المنزل.
لم أتحدث مع ديان. ليس لأنها لا تستحق كلمة توضيح ولا لأنها أخطأت في شيء بل لأنني كنت أشعر أن في صدري دينا مؤجلا دينا ثقيلا لا يسدد بالاعتذار لأحد بل بمواجهة الحقيقة التي هربت منها طويلا.
وضعت الأوراق في جيبي وشددت قبضتي على المقود ثم قدت السيارة نحو لاغونا.
كان الطريق طويلا وكل متر فيه كان يعيدني إلى نفسي القديمة تلك النفس التي كانت تفسر الصمت قسوة والتعب إهمالا والدموع دلعا وتبحث عن الراحة في أي اتجاه يبعدها عن الألم.
وخلال الرحلة لم يكن هناك صوت يرافقني سوى الأسئلة.
هل ما زال لي حق في البحث عنها
أم أنني تأخرت كثيرا حتى صار حضوري عبئا جديدا
هل يمكن لندم متأخر أن يصلح ما كسر
أم أن الندم أيضا نوع من الأنانية يأتي حين يستيقظ القلب بعد فوات الأوان
كنت أضغط على دواسة الوقود ثم أرفع قدمي عنها ثم أعود وأضغط كما لو كنت أبحث عن سرعة تسبق الواقع تلحقني بالزمن الذي خسرته.
إن كانت حية سأحتضنها ولو كان ذلك مؤلما ولو شعرت أنني لا أستحقها.
وإن لم تكن فليتني ألمس رمادها لعل الرماد يغفر لمن خذل صاحبه وهو حي.
وصلت عصرا إلى قرية صغيرة.
الهواء هناك مختلف لا يشبه هواء المدينة المزدحم بارتباك الناس.
هواء يحمل رائحة ماء ساكن ورائحة أشجار عتيقة ورطوبة تشبه دمعة على خد الطبيعة.
كان هناك كوخ بجانب بحيرة صامت بسيط كأنه لوحة رسمت لتكون ملجأ لمن تعب من الضجيج.
تقدمت ببطء وطرقت الباب.
لا جواب.
طرقت مرة ثانية وأصغيت إلى الفراغ.
لا شيء.
وفي اللحظة التي هممت فيها بالانسحاب دفعته الريح قليلا فانفرج الباب وكأن المكان يفتح ذراعيه بغير إرادة صاحبه.
كارا ناديت بصوت خرج منكسرا وبخطأ في نطق اسمها كما كنت أفعل دائما من غير قصد وكأنني لم أتعلم حتى لفظ اسمها كما تحب.
دخلت.
كان في الداخل سرير بسيط ومقعد خشبي وطاولة عليها بعض الأغراض القليلة كأس ماء دواء منديل مطوي ودفتر صغير وعلى الطاولة نفسها كانت الوسادة القديمة.
الوسادة ذاتها.
تلك التي كنت أكرهها فإذا بها تقودني إليها.
ركعت قرب الطاولة ولم أعرف لماذا ركعت.
ربما لأنني شعرت أنني لا أستطيع الوقوف أمام هذا القدر من الصدق.
همست لم تسمعي كلامي مرة أخرى
ثم سمعت سعالا.
خفيفا.
بعيدا.
من خلف ستارة باهتة اللون في زاوية الغرفة.
توقف الدم في عروقي.
مارك صوت مبحوح لكنه صوتها.
وقفت مرتجفا كما لو أنني أقف أمام معجزة أخاف أن تذوب إن اقتربت منها.
أزحت الستارة ببطء.
كانت هناك نحيلة ضعيفة شاحبة لكن حية.
رفعت عينيها إلي وابتسمت.
ابتسامة لا لوم فيها ولا انتقام ولا شكوى.
ابتسامة من يعرف أن الحياة قاسية لكنه لا يريد أن يزيد قسوتها على من يحب.
قالت بصوت منخفض على الأقل وصلت قبل أن أرحل.
وانهارت ركبتاي.
لم أستطع أن أتماسك.
اقتربت منها واحتضنتها بحذر شديد كأنها زجاج شفاف قد ينكسر من مجرد حرارة الدموع.
كررت سامحيني سامحيني على كل شيء.
أغمضت عينيها وقالت لا أحتاج اعتذارا أحتاج فقط أن أعلم أنك لم تعد غاضبا.
كانت جملتها بسيطة لكنها كشفت شيئا هائلا
هي لم تكن تخاف المرض بقدر ما كانت تخاف أن تتركني وأنا أكرهها.
جلسنا عند الغروب بجانب البحيرة.
صمت.
سلام.
صوت الماء كان يلامس حواف الشاطئ برفق كأنه يهدئ قلبا تعب من الخفقان.
السماء كانت تتدرج من الذهب إلى البرتقالي ثم إلى البنفسجي الخفيف وكأن النهار يسلم مفاتيحه لليل دون صراخ.
لكن في الهواء كان سؤال واحد يتدلى مثل سيف رقيق
هل سأبقى حتى النهاية
أم سأغادر مرة أخرى باسم الحرية التي دفعت ثمنها وحدها
ولأول مرة في حياتي لم أعد أعرف أيهما أشد ألما
أن أبقى وأرى من أحب يذوب أمامي
أم أن أهرب وأعيش بحريتي ملوثة بالندم
لم أتركها منذ ذلك اليوم.
في الكوخ الصغير تعلمت الإصغاء إلى الصمت.
اكتشفت أن الصمت ليس فراغا بل لغة.
لغة تقول كل ما لا يستطيع الجسد المتعب قوله.
كنت أسمع الماء فأشعر أن الوقت يمر ببطء رحيم.
وأسمع الطيور فأدرك أن الحياة ما زالت تمشي في الخارج حتى لو توقفت في الداخل.
وأسمع تنفسها الخافت فأتشبث به كمن يتشبث بخيط واحد يربطه بالعالم.
كل صباح كنت أستيقظ بخوف أن يكون آخر صباح.
أقترب منها فأراقب وجهها
هل ما زالت هناك حرارة
هل ما زال صدرها يرتفع وينخفض
هل ما زالت عينها قادرة على فتح نافذتها على الدنيا
وفي يوم من الأيام قالت فجأة لا أريد شفقة.
رفعت رأسي إليها وقلت لا أشفق أنا نادم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت الندم أثقل.
وكانت على حق.
الشفقة قد تكون دمعة وتنتهي.
أما الندم فهو مطر لا يتوقف.
ضعفت تدريجيا.
كان هناك أيام لا تستطيع فيها رفع كوب الماء.
كنت أحملها كصلاة وكأنني إن حملتها برفق أكبر قد أخفف عنها ثقل العالم.
ذات ليلة ممطرة والريح تضرب جدران الكوخ كأنها تذكرنا بأن النهاية ممكنة في أي لحظة أعطتني صندوقا خشبيا صغيرا.
قالت افتحه إن نمت أو إن لم أستيقظ.
شعرت أنني أتلقى وصية.
في الصباح حين غفت بهدوء فتحت الصندوق.
وجدت صورة أشعة وصورة سونار صغيرة.
بتاريخ قبل ثلاث سنوات.
وتحتها رسالة قصيرة لكنها كانت كافية لتسقطني من الداخل
كنت حاملا لكنني فقدته مع أول علاج.
لم أصرخ.
لم أتحرك.
فقط شعرت أن قلبي صار حجرا ثم بدأ الحجر يتفتت ببطء مؤلم.
فهمت فجأة سرا آخر
هي لم تكن تقاوم السرطان

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى