قصص قصيرة

كنتُ أعتني بحماي المشلول… وعندما اكتشفتُ الحقيقة انهار كل شيء

وضعت الهاتف على الأرض بيد مرتعشة،
كأنها تخشى أن يسقط منها فينكسر،
كما انكسر شيء عميق في داخلها.

أسندت ظهرها إلى السرير،
إلى الجسد الذي يرقد عليه رجل صامت،
رجل حمل سرّها،
وحملها،
وحمل ذاكرتها،
ثم اختار أن يختفي من حياتها دون أن يطالب بشيء.

شعرت بثقل الحقيقة يسقط على قلبها دفعة واحدة،
لا تدري كيف تحتمله،
ولا كيف تتنفس تحته.

عاد صوت روﻻن عبر الهاتف،
أهدأ هذه المرة،
كأنه هو أيضًا استسلم للحقيقة:

«عندما قدّمتكِ لأبي لأول مرة،
تعرّف عليكِ فورًا.
لم يحتج إلى وشم،
ولا إلى ذكرى،
ولا إلى قصة…
عرفكِ من عينيك».

أغمضت إلينا عينيها.
عيناها…
هما نفس العينين اللتين نظرتا إليه وسط الدخان،
وسط النار،
وسط الخوف.

تابع روﻻن:
«بعد خروجك من الغرفة،
أمسكني من يدي.
كانت يده ضعيفة،
لكن قبضته كانت حازمة».

وتابع بصوت متهدّج:
«قال لي:
(روﻻن، لا تخبرها.
أريدها أن تحبك لأنك أنت،
لا لأنك ابن الرجل الذي أنقذها.
ولا أريدها أن تشعر يومًا بأنها مدينة لعائلتنا).»

ساد صمت قصير،
ثم أكمل:
«قال لي أيضًا:
(إذا كان لي من أجرٍ على ما فعلت،
فليكن أن تعيش تلك الطفلة حرة…
لا مقيدة بالامتنان،
ولا مثقلة بالذاكرة).»

ابتلعت إلينا ريقها بصعوبة.
كانت تسمع الكلمات،
لكنها كانت تشعر بها أكثر مما تسمعها.

قال روﻻن:
«لهذا أخفى ندوبه.
ولهذا لم يُرِدك أن تنظّفيه أو تستحمّيه.
كان يخشى أن تري جسده قبل أن تري روحه.
كان يريدك حرة من الماضي…
حتى لو كان الثمن أن يبقى صامتًا إلى الأبد».

انتهت المكالمة.

لم تعد إلينا بحاجة إلى سماع المزيد.
لم يعد هناك سؤال بلا جواب.
كل شيء صار واضحًا…
واضحًا إلى حد الألم.

جثت ببطء بجانب سرير دون فاوستو.
لم تعد ترى فيه الرجل العاجز،
ولا الحما الصامت،
ولا الجسد المثقل بالندوب.

كانت ترى فيه ذاك الرجل الذي انحنى وسط النار،
واحتضن طفلة لا يعرف اسمها،
واختار أن يحترق ليمنحها فرصة للحياة.

مدّت يديها المرتجفتين،
ووضعتْهما على حافة السرير قربه، بحذر.
كأنها تخشى أن تؤلمه أكثر،
أو أن توقظه من صمته العميق.

كان جسده ضعيفًا،
باردًا قليلًا عند اللمس،
لكن حضوره كان عظيمًا على نحوٍ لا يُفسَّر.

لم يكن حضور قوة،
ولا سلطة،
ولا هيبة جسدٍ قادر…

بل حضور رجلٍ دفع من عمره،
ومن جسده،
ومن صمته،
ما يكفي ليملأ الغرفة،
وليملأ قلبها دفعة واحدة.

شعرت إلينا، وهي قريبة منه،

كأن الزمن كله اجتمع في تلك اللحظة،
طفولتها، ونجاتها التي لم تفهم ثمنها إلا الآن.

همست بصوتٍ مرتجف، وعيناها معلّقتان بالندبة على كتفه:
الندبة التي لم تعد جرحًا،
بل شهادة حياة:

«بابا…
أناأحب روﻻن كثيرًا.
وأحبك كثيرًا أيضًا».

خرج صوتها مبحوحًا،
محمّلًا بما لم تقله الكلمات،
وبما لم تستطع السنوات أن تمحوه.

توقفت لحظة،
أغمضت عينيها،
كأنها تفتّش في قلبها عن أصدق صيغة ممكنة،
صيغة لا يشوبها واجب،
ولا يشدّها دين،
ولا يلوّنها ماضٍ مفروض.

ثم أضافت بصوت ثابت،
ناضج،
صادق حتى الوجع:

«ليس بدافع الامتنان،
ولا لأنك أنقذت حياتي،
ولا لأن الماضي فرض عليّ حبك…
بل لأنك أطيب إنسان عرفته في حياتي.
لأنك اخترت أن تنقذني دون أن تنتظر شكرًا،
واخترت أن تصمت كي أعيش حرة».

تحرّكت شفتا دون فاوستو قليلًا.
حركة بالكاد تُرى،
لكنها كانت كافية لتُربك قلب إلينا،
كافية لتجعل دموعها تنهمر دون مقاومة.

فتح عينيه ببطء.
عينان أنهكهما الزمن،
لكن داخلهما شيء لم يُطفئه المرض.

وللمرة الأولى منذ إصابته بالجلطة،
ارتسمت على وجهه ابتسامة خافتة…
ابتسامة رجل اطمأن أخيرًا
أن تضحيته لم تُساء فهمها،
وأن صمته لم يكن فراغًا،
بل اختيارًا نبيلاً.

مرت الأيام بعد ذلك مختلفة.
لم تتغير الجدران،
ولا الغرف،
ولا ترتيب البيت…

لكن الهواء نفسه بدا أخفّ.
الصمت لم يعد ثقيلًا.
والغرفة التي كانت تُغلق دائمًا،
صارت تُفتح كل صباح.

لم تعد إلينا تخشى غرفة دون فاوستو،
ولا جسده الواهن،
ولا ضعفه،
ولا صمته الطويل.

كانت تدخلها كما يدخل المرء مكانًا مألوفًا،
مكانًا لا يحتاج فيه إلى تبرير وجوده.

كانت تجلس بجانبه كل صباح،
تفتح النافذة،
تدع الضوء يتسلل ببطء،
وتدع معه دفئًا بسيطًا،
يشبه الطمأنينة.

تبدأ في قراءة الصحيفة بصوت هادئ،
تختار الأخبار التي يمكن أن تُقال،
وتتجاوز ما يثقل القلب.

تحكي له عن يومها،
عن أشياء صغيرة
لم تكن تعيرها انتباهًا من قبل:
طريق ازدحم أكثر من المعتاد،
طفل ضحك في الشارع،
شجرة أزهرت فجأة.

كانت تضحك أحيانًا،
وتبكي أحيانًا أخرى دون خجل،
دون خوف من أن تُفهم خطأ،
لأنها تعلم الآن
أن هناك من يسمعها…
حتى لو لم يستطع الرد.

وعندما عاد روﻻن إلى المنزل بعد أيام،
وجد مشهدًا لم يره من قبل،
مشهدًا لم يكن يعلم أنه يحتاج لرؤيته.

إلينا جالسة بجانب والده،
تمسك بيده بثبات،
تقرأ له الأخبار،
وتتوقف أحيانًا لتشرح،
كأنها تعلم، في أعماقها،
أنه يسمع…
وأنه يشعر.

كان دون فاوستو نظيفًا،
تفوح منه رائحة طيبة،
ملامحه هادئة،
وعيناه أكثر سلامًا من أي وقت مضى.

لم يعد التحذير حاجزًا.
لم يعد الماضي عبئًا.
لم تعد الحقيقة خطرًا.

الحقيقة…
لم تدمّر العائلة كما كان يُخشى،
بل قوّتها،
وربطت بينهم برباطٍ أعمق من الدم،
رباط الصدق،
والاختيار،
والحب الذي لا يُفرض ولا يُشترى.

وبقيت إليناتعتني بدون فاوستو حتى آخر أنفاسه،
لا كواجب،
ولا كدين،
ولا كذكرى حريق قديم…

بل كتكريمٍ صادق
لرجلٍ أعطاها حياة ثانية،
ثم علّمها — بصمته،
وبألمه،
وبحبه الخفي —
كيف تُعاش هذه الحياة بكرامة،
وكيف يُحَبّ الإنسان
دون مقابل…
ودون شروط.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى