قصص قصيرة

دخل فندق خمس نجوم بعصاية فلاح… وخرج سيّد المكان كله من غير ما يعلي صوته

رفع الرجل الهاتف إلى أذنه ولم يرفع صوته بل العكس كان هادئا بشكل أربك كل من في البهو
قال جملة قصيرة لكن نبرتها كانت كفيلة تغير الجو كله
مساء الخير يا فندم أنا وصلت الفندق واضح إن في سوء تفاهم بسيط
توقفت موظفة الاستقبال عن الحركة دون أن تشعر
وحارس الأمن اقترب خطوة لا إراديا
وأحد رجال الأعمال الجالسين في الركن رفع رأسه فجأة وكأنه تعرف على الصوت
سادت لحظة صمت ثقيلة
حتى إن صوت الموسيقى الخافتة في البهو بدا أعلى من المعتاد
ثم أكمل الرجل المكالمة وهو ما زال ينظر للأمام بهدوء غريب
أيوه خمس دقايق بالظبط أنا منتظر
أنهى المكالمة ووضع الهاتف على مكتب الاستقبال بهدوء
ونظر للموظفة وقال
ولا يهمك يا بنتي نستنى شوية
ضحكت ضحكة خفيفة ساخرة وقالت
تستنى مين!
لم يرد
جلس على أحد المقاعد الجلدية الفاخرة
ووضع عصاه الخشبية بجانبه
كأنه واثق تماما من اللي جاي
مرت دقيقة
دقيقتان
ثلاث
وفجأة
انفتح باب الفندق الرئيسي بقوة
ودخل رجل أنيق ببدلة رسمية ومعه اثنان من الإدارة
كان وجهه متوترا عرق خفيف على جبينه
وما إن وقعت عينه على الفلاح حتى تغير لون وجهه تماما
أسرع بخطوات سريعة غير مهتم بنظرات الضيوف
وتوقف أمام الرجل
وانحنى قليلا باحترام واضح وقال بصوت مسموع للجميع
حضرتك تأخرت ليه عن معادك يا فندم إحنا كلنا تحت أمرك
سقط القلم من يد موظفة الاستقبال
وتجمد حارس الأمن مكانه
والهمس بدأينتشر في البهو كالنار
من هذا الرجل
ولماذا مدير الفندق نفسه يقف أمامه بهذا الشكل
وماذا كان يقصد بالمكالمة
الرجل ابتسم ابتسامة هادئة
ابتسامته كانت هادئة
لكن عينيه لمعتا بحدة خلت اللي واقفين يحسوا إن في حاجة تقيلة جاية
مش صريخ
ولا خناق
ولا تهديد
حاجة أسوأ
حساب.
نهض ببطء كأن الزمن نفسه قرر يستنى حركته
مسك عصاه الخشبية بإيده اليمين
العصاية اللي شكلها بسيط
لكن باين عليها إنها اتسندت على سنين شغل
وسفر
وتعب
وأرض اتزرعت واتحرثت بإيد صاحبها.
بص لمدير الفندق نظرة ثابتة
نظرة مش فيها غضب
ولا فيها شفقة
نظرة واحد شاف الدنيا كلها
وبطل يندهش.
وقال الجملة اللي كسرت البهو نصين
أنا مش متأخر
إنتوا اللي اتأخرتوا في إنكم تفتكروا أنا مين.
سكت المكان.
ولا نفس طالع.
ولا كعب جزمة بيتحرك.
ولا همسة.
حتى صوت التكييف اتحس إنه عالي زيادة عن اللزوم.
مدير الفندق بلع ريقه بصعوبة
وشه شحب
ومحاولته للابتسامة باينة إنها متلصقة بالعافية.
قال وهو بيعدل رابطة عنقه
حضرتك طبعا على راسنا من فوق
بس حصل سوء تفاهم بسيط مع موظفة الاستقبال
ماكملش الجملة.
لأن الرجل قاطعه
بهدوء أشد رعبا من أي صراخ
سوء تفاهم
قالها وهو مائل شوية بعصايته
كأنه بيسأل سؤال عارف إجابته.
سوء التفاهم إنك تشغل ناس فاكرة إن الكرامة ليها سعر
أو إن اللبس الغالي أهم من الاسم
أو إن الإنسان يتقاس من بره مش من جوه.
لف وشه ببطء ناحية مكتب الاستقبال.
الموظفة كانت واقفة
وشها أبيض
إيديها بترتعش
وعينيها مش قادرة ترفعهم.
قال لها من غير ما يعلي صوته
قوليلي
لو كنت داخل ببدلة
أو نازل من عربية فارهة
كنت هتسأليني نفس الأسئلة
سكتت.
حاولت تتكلم
لكن الصوت خانها.
الدموع لمعت في عينيها
مش دموع خوف بس
دموع إدراك متأخر.
في اللحظة دي
واحد من رجال الأعمال اللي كانوا قاعدين في الركن
كان طول الوقت متابع المشهد
بعين مختلفة.
وقف فجأة.
كرسيه عمل صوت عالي.
وقال بصوت خرج منه من غير تفكير
مستحيل
كل العيون لفت عليه.
كمل وهو بيبص للرجل
هو حضرتك
الحاج عمران الشافعي
الاسم نزل على البهو زي القنبلة.
همهمة.
شهقات.
ناس بتبص لبعضها ومش فاهمة.
وناس فاهمة
بس مش مصدقة.
مدير الفندق اتلخبط فعلا.
مش تلخبط كلام وبس
تلخبط روح.
حاج حاج عمران
مالك مجموعة الشافعي للاستثمار!
قالها وهو شبه متأكد
وشبه مرعوب
وشبه متمني يكون غلطان.
الرجل هز راسه بهدوء
نفس الهدوء اللي يخوف أكتر من أي انفجار.
أيوه.
الكلمة خرجت قصيرة.
واضحة.
من غير أي نبرة انتصار.
وسكت ثانية
ثانية كانت أطول من دقيقة.
وبعدين قال
وابن فلاح من المنوفية.
الجملة دي لوحدها
كانت كفاية تهز ناس كتير واقفين.
رفع العصاية شوية
العصاية اللي لونها غامق من كتر ما اتسندت على الأرض
مش أرض رخام
ولا موكيت
لكن طين
وتراب
وشمس.
والعصاية دي مش منظر
دي تاريخ
وسند
وسنين وقفة على الأرض.
قرب خطوة من مكتب الاستقبال.
خطوة واحدة بس.
لكنها كانت كفاية
كفاية قوي
إن المسافة بينه وبينهم
تتحول فجأة
من مسافة شكل
لمسافة معنى.
المسافة دي ما كانتش خطوات
كانت فرق خبرة
فرق أصل
فرق حياة كاملة.
الأرضية الرخام لمع تحت رجله
رخام مستورد
ممسوح بعناية
لكن صوته
صوته كان تقيل
تقيل كأنه طالع من باطن الأرض
مش من صدره.
الفندق ده بنيته شركتي.
قالها ببساطة
من غير ما يرفع حاجبه
ولا يستنى تصفيق
كأنه بيقول
النهارده حر.
ولا كلمة زيادة
ولا نبرة استعراض.
والكرسي اللي إنت قاعد عليه ده
اتدفعت قيمته من شغلي
وتعب إيدي
وسهر ليالي طويلة
وأيام
ماكنتش أعرف فيها أنام
من التفكير
ومن الخوف
ومن المسؤولية
ومن ناس كانت مستنية أي غلطة
عشان تقول
ده فلاح مش هيكمل.
وقف لحظة.
مش علشان يستريح.
لكن علشان يسيب الكلام
يدخل جوه
ويستقر
ويسيب أثره.
الهواء في البهو كان تقيل.
حتى التكييف حسوا بيه.
وبعدين قال الجملة
اللي وجعت أكتر
من أي تهديد
وأقسى
من أي فضيحة
بس عمري
عمري ما دفعت فلوس
عشان حد يحترمني.
الجملة دي ما اتقالتش.
الجملة دي
اتزرعت.
خبطت في البهو
مش صوتيا
نفسيا.
في صدور ناس
افتكرت نفسها دايما فوق
وفي ضمائر
كانت نايمة من سنين.
لف ناحية المدير.
مش بسرعة.
ولا بعصبية.
خمس دقايق كنت مستنيهم.
رفع عينه في عينه.
نظرة ثابتة
ما فيهاش غضب
بس فيها حساب.
مش عشان أهدد
ولا أستعرض سلطة
ولا أوريكوا أنا مين
ولا أعمل شو.
وسكت.
السكوت هنا
كان تقيل
كأن السؤال نفسه
محتاج شجاعة
أكتر من الإجابة.
لكن عشان أشوف
قالها
وكأنها آخر اختبار
مش ليهم
لنفسه.
تنفس ببطء.
أنفاس واحد
اتعود يستنى
مش لأن عنده وقت
لكن لأن الصبر
بقى جزء من تكوينه.
صبر الفلاح

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى