
أهانها أمام الجميع… وفي المستشفى سمع منها كلمة واحدة جعلته ينهار تمامًا
أن تكرهني.”
أغمض عينيه، والدموع تتساقط دون مقاومة:
“بحثت عنك… سنوات. لماذا ذهبتِ؟ لماذا تركتني؟”
قالت بصوت يخرج من قلب مكسور:
“هربت لأحميك… أبوك كان عنيفًا… كنت أخشى أن يمسك بك يومًا… كنت أعود للبيت من بعيد، أراك من خلف السياج… ثم أهرب قبل أن يراني أحد.”
كانت كلماتها كسكاكين صغيرة تطعن ذاكرته.
تذكّر الليالي التي نام فيها وحيدًا.
تذكّر الجوع.
تذكّر الخوف.
تذكّر الشعور بأنه غير مرغوب.
لكنه الآن يرى الحقيقة… يرى نفسها المنهكة… يسمع نبضها الضعيف… ويحس أن العالم كله يتغير.
أمسك يدها وهو يرتجف كطفل:
“أنا آسف. لم أعرفك… قلت لك كلامًا قاسيًا… سامحيني يا أمي.”
ابتسمت رغم الألم، وقالت:
“أنت ابني… وكيف للأم أن تغضب من息 ابنها؟”
لكن جسدها بدأ يخونها.
صدرها ارتفع وانخفض ببطء شديد.
أصابعها تراخت.
قالت قبل أن تنطفئ:
”
فقط… كن طيبًا يا بني. كن طيبًا… ولا تجعل المال يأخذ قلبك.”
ثم خرجت أنفاسها الأخيرة.
وارتفع صوت الجهاز معلنًا نهاية رحلة طويلة.
صرخ إيثان:
“ماما! لا تذهبي! ليس الآن… ليس بعد!”
لكن الأبواب لا تفتح بعد أن تغلقها الحياة.
دفنها بعد ثلاثة أيام.
كانت جنازة متواضعة، لا تتناسب مع حجم الألم الذي حمله قلبه.
لا أصدقاء… لا أقارب… فقط بعض من عرفوها في الملجأ، وكاهن عجوز يقرأ الكلمات الأخيرة.
حين انتهى، بقي واقفًا طويلًا، يحدّق في التراب الطري.
لم يفكر في شركته.
ولا في المال.
ولا في الصفقات.
ولا في علامته التجارية.
فقط فكر في امرأة أمضت حياتها تبحث عنه… بينما كان هو يركض بعيدًا عنها دون أن يعلم.
عاد إلى السوق الذي بدأ عنده كل شيء.
وقف في نفس المكان الذي رأى فيه أمه.
كان الناس ينظرون إليه، يتساءلون لماذا عاد مليونير بثياب
باهظة إلى سوق قديم متصدّع.
لكنه لم يشعر بالخجل.
جلس بجوار كبار السن، استمع لقصصهم، رأى في أعينهم نفس الخوف الذي عاشته أمه.
ومع مرور الأيام، لم يعد السوق مجرد مكان.
أصبح ساحة للتكفير عن ذنبٍ لم يخلق منه طريقًا للخلاص إلا الرحمة.
بدأ يدفع إيجارات لبعض التجار الصغار.
بدأ يشتري طعامًا ويوزّعه بيده.
بدأ يتفقد ملاجئ النساء، يتحدث للعاملات فيها عن أمه، عن رحلتها، عن الوجع الذي صنع منه شيئًا جديدًا بداخله.
وبعد شهرين، أعلن عن تأسيس مشروع ضخم:
“مؤسسة مارغريت للأمل”
مؤسسة تُعنى بالنساء المشردات، بالأمهات الوحيدات، بالشباب الذين خرجوا من دور الرعاية بلا سند، وبكل من حملت الحياة روحه وضربته بشدة.
كان يبكي حين قص الشريط.
بكى أمام الجميع.
ولم يحاول أن يخفي ضعفه.
وقال في الكلمة الافتتاحية:
“أمي كانت امرأة عظيمة… لم تملك
شيئًا سوى قلبها. وأنا… لم أملك الشجاعة لأعرف ذلك إلا متأخرًا. اليوم، أعطي لكل أمّ، لكل امرأة، لكل إنسان ضاع أو ضُرب أو كُسر… فرصة للوقوف من جديد. هذه المؤسسة… ليست مشروعًا خيريًا. إنها اعتذار. اعتذار من ابنٍ وصل متأخرًا جدًا.”
صفّق الناس كثيرًا، لكن تصفيقهم لم يكن كصدى صوت واحد قال له بصوته الداخلي:
“أنا فخور بك يا بني.”
بعد أشهر، عاد إلى المستشفى ليزور الغرفة التي ماتت فيها أمه.
جلس على نفس الكرسي، وأغمض عينيه.
لم يعد يبكي.
كان في داخله سلام غريب… سلام لم يعرفه منذ الطفولة.
قال بصوت خافت:
“أمي… أتمنى لو كنت هنا لتري كل شيء. أنا ما زلت ابنك… ولأول مرة… أشعر أني أخيرًا أفعل ما يجب.”
خرج من الغرفة، ووقف عند النافذة التي تطل على المدينة.
كانت أضواء الليل ترقص على الزجاج، وكان يشعر بأن حياته بدأت من جديد في
المكان الذي انتهت فيه حياة أمّه.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة… شعر بأن قلبه ليس وحيدًا.





