قصص قصيرة

زوّجوها لشحّاذ لأنها عمياء… ولم يكونوا يعلمون من هو زوجها الحقيقي!

كانت تلقى عليها كأنها حجر. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لقبولها ظل شيء ما يقلقها شعور بأنها لم تقبل تماما بعد. ولم يكن هذا القلق نابعا من عماها بل من أثر الماضي الذي لا يزول بسهولة ومن الخوف أن يعيدها أحدهم بكلمة واحدة إلى الغرفة المعتمة التي خرجت منها.
قالت له وهي تستند إلى ذراعه بصوت حاولت أن تجعله هادئا لكنه كان يحمل ارتجافا خفيا 
أحيانا أشعر أنهم لم يتقبلوني بالكامل بعد.
نظر إليها بعطف وتفهم كأنه كان يعرف أن هذا السؤال سيأتي يوما. قال 
أعلم يا زينب. ورغم أنني لا أستطيع تغيير أفكار الآخرين أريدك أن تعرفي أنك بالنسبة لي كافية دائما. لست زوجتي فقط بل المرأة التي أحبها بكل قلبي.
توقفت زينب ونظرت إليه من حيث يقف ورغم أنها لا ترى وجهه كان صوته كل ما تحتاج إليه. كان في نبرته صدق يشبه الطمأنينة ينساب إلى قلبها ببطء. ومع ذلك ظل صدى الرفض القديم عالقا في داخلها كأنه جرح لا يلتئم إلا حين يقتنع القلب أنه لم يعد في موضع الاتهام.
قالت بصراحة أرهقتها 
أعلم أن الأمر لن يكون سهلا. لم يقبلني والدي يوما كما أنا. والآن في هذا القصر أخشى أن ينظر إلي فقط بسبب عماي أو ماضي. أحيانا لا أدري إن كنت أستحق كل هذا.
مال يوشع نحوها ورفع وجهها برفق كأنه يريد أن يجعل كلماته تصل إلى قلبها مباشرة وقال بنبرة لطيفة لكنها حازمة لا تساوم على الحقيقة 
يا زينب أنت تستحقين كل ما لديك وأكثر. ليس عماك ما يعرفك ولا تاريخك. ما يعرفك هو روحك ولطفك وشجاعتك. ولهذا السبب أنت أميرة هذا القصر وأميرة قلبي. لا يهم ما يقوله الآخرون. لست زينة ولا فضولا بل أنت كل شيء بالنسبة لي.
مع هذه الكلمات شعرت زينب بدفء ينتشر في صدرها كأنها تستعيد جزءا ضائعا من ذاتها. لم يكن يوشع قد قبلها فحسب بل أحبها كما هي حقا دون شروط خفية ودون انتظار أن تتغير لتناسب صورة ما. كان حبه قوة أعادت إليها توازنها ومنحتها جرأة أن تقول لنفسها لن أعود إلى الظل.
في تلك اللحظة قررت زينب ألا تسمح لتحامل البلاط أو لذكريات والدها بأن تعرفها. لن تكون مجرد زوجة الأمير أو الأميرة العمياء التي يتحدث عنها الناس همسا. ستكون أكثر من ذلك بكثير. ستكون المرأة التي تغير القصر من الداخل وتثبت أن القوة الحقيقية لا تأتي من تاج على رأس بل من صدق يسكن القلب ومن شجاعة تواجه الحياة كما هي دون تزييف.
ومنذ ذلك اليوم بدأت زينب تلعب دورا فاعلا في البلاط. لم يكن دورها صاخبا ولا متعجرفا بل كان عميقا ومؤثرا. دخلت مجالس القصر بروح المستمعة لا بروح المتحدية لأن من اعتادوا المكائد يخشون الصدق أكثر مما يخشون الغضب. كانت تنصت للنبلاء واحدا واحدا لا لتجمع عليهم النقاط بل لتفهم ما يشغلهم حقا خوفهم على نفوذهم حسدهم لمن يصعد تنافسهم على قرب الأمير وهواجسهم من أي تغيير قد يسحب البساط من تحت أقدامهم.
كانت زينب تدرك أن كلماتها وحدها لا تكفي وأن الأفعال هي اللغة التي يفهمها القصر. فبدأت بصمت مدروس تقرب بين المختلفين وتخفف حدة التوتر في المجالس وتطرح حلولا لا تحرج أحدا لكنها تفتح الطريق للجميع. كانت تسأل سؤالا في الوقت الصحيح فتجبر المتخاصمين على التفكير بدل الصراخ. وكانت تهدئ انفعالا بنبرة ثابتة فتربك من اعتادوا استفزاز الآخرين.
شيئا فشيئا بدأت النظرة إليها تتغير. لم يعد حديث الناس محصورا في عماها بل صاروا يذكرون حكمتها. لم يعودوا يقولون كيف تكون أميرة بل بدأ بعضهم يهمس كيف لم نر هذا من قبل. وحتى أولئك الذين ظلوا يكرهونها في السر اضطروا إلى احترامها في العلن لأن حضورها صار حقيقة لا يمكن تجاهلها.
أما يوشع فكان يراقب كل ذلك بفخر عميق. لم يكن يخشى أن يشاركها الضوء بل كان يرى أن ضياءها يزيد ملكه قوة لا ينقصه. كان يقف إلى جانبها حين تحتاج سندا ويتراجع خطوة حين تكون هي القائدة لأنه فهم أن الحب ليس تملكا ولا حماية تقيد بل ثقة تفتح الطريق.
ومع مرور الوقت بدأت زينب تشعر بالقوة والثقة. أدركت أن القبول الذي كانت تبحث عنه لا يأتي من أفواه الناس بل من داخلها هي. وأنها حين تصالح نفسها لن يقدر أحد على إعادة تعريفها بما يراه هو. وهكذا ومع تعاقب السنين لم تعد زينب مجرد أميرة قصر. أصبحت ملكة قدرها تغير ليس فقط البلاط بل حياة من حولها لأن بعض القلوب حين تنقذ نفسها تنقذ غيرها دون أن تقصد.
امتلأ القصر نورا لا بسبب الثروة ولا قوة التاج بل بسبب صدق زينب. صار الناس يشعرون أن في المكان شيئا مختلفا عدلا أهدأ رحمة أوسع وكرامة لا تقاس بالمظهر. لقد وجدت زينب ما كانت تبحث عنه طويلا مكانا في العالم لا ترى فيه لما تفتقده بل لما تقدمه ولما تصنعه من أثر في الأرواح.
وكان يوشع إلى جانبها دائما سندا لا يتزعزع لا لأنه أمير يحمل لقبا بل لأنه رجل اختار أن يحب بصدق. ومعا أسسا مملكة يسودها الحب والقبول والقوة الداخلية فوق كل شيء.
لأن زينب في النهاية لم تتعلم أن الحب لا يقوم على المظاهر فحسب بل تعلمت أيضا أن الإنسان قد يولد بلا عينين لكنه قد يملك قلبا يبصر ما لا تبصره العيون كلها.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى