قصص قصيرة

ماكينة الخياطة

الدور الأخير من ٢٠ سنة.. الله يرحمه كان بيجي هنا كل يوم جمعة الصبح يقعد ساعتين ويمشي من غير ما يكلم حد. الشقة دي محدش ډخلها غيره من يوم ما أجرها.
طلعت على السلالم وقلبي بيدق بسرعة. حطيت المفتاح في باب الشقة.. فتح بصعوبة.
أول ما دخلت ريحة تراب مخلوطة بريحة غريبة.. ريحة ألوان زيت وتينر!
فتحت شبابيك الشقة عشان النور يدخل واټصدمت من المنظر. الشقة مكنتش شقة سكنية عادية دي كانت مرسم كبير جدا. مليان لوحات فنية مرصوصة على الحيطان وأدوات رسم ولوحات تانية متغطية بقماش أبيض.
اللوحات كانت احترافية بشكل مرعب! كلها كانت بورتريهات لوشوش ناس شوارع القاهرة القديمة وتفاصيل دقيقة جدا. وفي زاوية الأوضة كان في مكتب صغير عليه كراسة مذكرات.
مسكت الكراسة وفتحت أول صفحة لقيت خط أبويا المألوف
يا بني.. لو الأيام لفت ووصلت للمكان ده يبقى أنا خلاص مش موجود. أنا عارف إنك مصډوم وعارف إنك بتسأل إزاي أبوك الموظف الروتيني يطلع رسام وليه خبيت عنك كل ده.
بلعت ريقي وكملت قراية وإيدي بتترعش
من ٢٥ سنة كنت فنان تشكيلي طموح والست اللي في الصورة اللي معاك في الصندوق دي كانت زميلتي وحبيبة عمري.. كنا بنرسم سوا وبنحلم سوا. بس في يوم حصلت حريقة في معرضنا وهي حاولت تنقذ لوحاتنا… وماټت.
وقفت ثانية أستوعب الكلام وكملت قراية
بعدها الدنيا اسودت في عيني. کرهت الفن وکرهت الأضواء. اتجوزت والدتك الله يرحمها عشان أعيش حياة هادية وطبيعية وبعيدة عن أي شغف ممكن يوجعني تاني. بس الفن كان زي اللعڼة بيمشي في دمي.. مكنتش قادر أبطل رسم فكنت باجي هنا كل أسبوع أرسم وأفرغ طاقتي في السر وأبيع لوحاتي تحت اسم مستعار نور الدين.
نور الدين!! الاسم ده أنا عارفه.. ده اسم رسام غامض لوحاته بتتباع في المزادات بملايين ومحدش يعرف شكله!
رجعت عيني للمذكرات
أنا مكنتش عايز الفلوس كنت بس برسم عشان أعيش. في درج المكتب اللي قدامك هتلاقي دفتر حسابات بنكي فيه كل مبيعات لوحاتي على مدار السنين دي كلها. الرقم اللي فيه كبير يا بني.. كبير أوي. أنا مخليتلكش تعيش في فقر بس كنت عايزك تكبر وتعتمد على نفسك وتتعب زي أي شاب عادي وتتبني من جواك الأول قبل ما الفلوس تبوظك. دلوقتي الفلوس دي بتاعتك واللوحات دي بتاعتك.. استخدمهم صح وعيش الشغف اللي أنا خفت أعيشه.
فتحت درج المكتب.. ولقيت دفتر البنك. الرقم اللي كان مكتوب فيه كان خيالي يغير حياة أي حد.
بصيت للوحة متغطية في نص الأوضة شديت القماش من عليها.. كانت لوحة كبيرة جدا مرسوم فيها أنا وأبويا وأمي وإحنا بنضحك في جنينة أيام ما كنت طفل صغير.
أبويا عاش عمره كله يمثل إنه شخص عادي وممل بس في الحقيقة كان مخبي جواه عالم كامل من
الألوان وسايبلي ثروة ودرس عمري ما هنساه!

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى