
عدتُ من الغيبوبة قبل لحظات من إطفاء الأجهزة… وما رأيته بين الحياة والمو.ت لن يُصدّق!
أستطيع بنفسي قلت بسرعة ثم خففت نبرتي. لقد تنقلت في هذا المنزل ثلاثة أشهر. أعرف الطريق.
نهضت متحسسة الجدران كما كنت أفعل حين كنت عمياء. لامست أصابعي ذراعها كان باردا برودة لحم في ثلاجة. قاومت رجفة وسرت نحو الدرج.
قال الرجل سنكون في الأسفل إن احتجت شيئا. لا تقفلي الباب فقد نطمئن عليك.
حسنا يا أبي.
صعدت الدرج أعد الخطوات بصوت خافت. ما إن ابتعدت عن مجال رؤيتهما حتى ركضت إلى غرفتي وأغلقت الباب وأدرت المفتاح. بدا صوت الإغلاق مدويا.
ظللت أحدق في الخشب أنتظر أن يتحرك المقبض أو أن يتشقق الباب تحت ضربة مفاجئة.
لا شيء.
أطلقت زفيرا كان أقرب إلى شهقة مخنوقة ثم سقطت على السرير. كان عقلي يركض بلا توقف يحاول أن يلم شظايا الواقع الذي تهشم دفعة واحدة.
قبل ثلاثة أشهر أخذ مني الحادث كل شيء بصري استقلالي إحساسي بالأمان. كان والداي سندي. باعا منزلنا وانتقلنا إلى هذه الفيلا المستأجرة في الريف منعزلة هادئة تبدو
مثالية للتعافي فقط ليتفرغا لرعايتي. أما زوجي نوح الطيار في شركة طيران كبرى فقد كان مكسورا من أجلي. اضطر إلى الاستمرار في العمل ليؤمن حياتنا لكنه كان يزورني كلما استطاع.
نظرت حولي. الغرفة نفسها التي عشت فيها أشهرا لكن بعدما أبصرتها بدت غريبة. ورق الجدران يتقشر عند الزوايا والستائر ثقيلة رمادية تحجب ضوء النهار.
كنت بحاجة إلى نوح.
اندفعت إلى المنضدة قرب السرير أبحث عن هاتفي. كانت يداي ترتجفان حتى كدت أسقطه. قربته من وجهي وخفضت سطوع الشاشة إلى أدنى حد مذعورة من أن يتسرب الضوء من تحت الباب فيفضحني.
اتصلت برقم نوح.
أجب أرجوك أجب.
رنت مرة. مرتين.
إيلا
كان صوته طوق نجاة. ضغطت الهاتف على أذني بقوة حتى آلمتني. نوح همست وانفجرت الدموع أخيرا. نوح هل أنت معي
أنا معك يا حبيبتي. لقد هبطت للتو. كنت على وشك أن أتصل بك. ما الذي حدث صوتك هل تبكين
اسمعني قلت بصوت هامس حاد بالكاد يخرج من بين شفتي. عليك أن تأتي إلى هنا. الآن. هناك شيء غير طبيعي. شيء فظيع.
اهدئي يا إيلا. ماذا حدث هل سقطت هل تأذيت
لا أنا أنا أرى يا نوح. عاد إلي بصري هذا الصباح.
ساد صمت قصير في الطرف الآخر. أنت ماذا إيلا هذا هذا مذهل! إنها معجزة! لماذا تهمسين هل أخبرت والديك
هنا المشكلة قلت وصوتي يتشقق. نوح الأشخاص في الأسفل ليسوا والدي.
ماذا تقصدين انقلب صوته من الفرح إلى الحيرة. إيلا يا حبيبتي مررت بصدمة كبيرة. ربما رجوع البصر يربكك. الأطباء قالوا
لا! قاطعته بعنف. أنا أعرف شكل أمي! أعرف شكل أبي! الذين في الأسفل أصواتهم مثلهم يعرفون اسمي يعرفون البيت لكنهم غرباء. هم وحوش يا نوح. المرأة عيناها ضخمتان ومعظمها أبيض وتبتسم كأنها ترتدي قناعا. والرجل ليس حماك. إنه شخص لم أره قط.
حسنا حسنا قال بصوت صار ثابتا كصوته حين يواجه أزمة في قمرة القيادة. أنا أصدقك. دائما أصدقك. إذا قلت إن شيئا خطأ فأنا أصدق.
قالوا لي ألا أقفل الباب بكيت. وجدت رسالة تحت سريري يا نوح. كتب أحدهم لا تخبرهم أنك تستطيع الرؤية. شخص آخر يعرف. ربما أصحاب البيت الحقيقيون لا أدري. لكنني مرعوبة.
أنا قادم قال بحزم. أنا في المطار. سأستأجر سيارة. يمكنني الوصول خلال ساعة ربما أقل إذا أسرعت. إيلا اسمعيني عليك أن تبقي هادئة. لا تدعيهم يعرفون أنك عرفت. أيا كانوا لا تستفزيهم.
أخشى أن يدخلوا همست. يحاولون إطعامي دائما. الحساء مذاقه كان خاطئا.
لا تأكلي شيئا آخر. ولا تشربي شيئا أمرني. أقفلي الباب إن استطعت لكن إن حاولوا كسره فعليك أن تمثلي الدور. قولي إنك مريضة. قولي إنك نائمة. فقط اكسبي الوقت. أنا في طريقي الآن. أنا أركض نحو مكتب التأجير.
أرجوك أسرع توسلت. نوح لا أعرف أين أمي وأبي الحقيقيان. لم أرهما. إذا كان هؤلاء هنا ماذا فعلوا بهما
سنجدهم وعدني. أقسم لك أننا سنصلح كل شيء. فقط ابقي على قيد الحياة حتى أصل. أبقي الهاتف معك لكن اخفيه. سأرسل لك حين أقترب.
أنا أحبك قلت.
وأنا أحبك. كوني قوية.
انتهت المكالمة وهبط الصمت على الغرفة ككتلة ثقيلة. حدقت في شاشة الهاتف لحظة. كانت الساعة الرقمية تشير إلى الثانية والربع بعد الظهر. خمس وأربعون دقيقة. بدت كالعمر كله.
جلست على حافة السرير وكل حواسي مشدودة إلى أقصى حد. البيت الذي كان يبدو ملاذا للشفاء صار قفصا. أي صرير في الممر جعلني أرتعد.
دق. دق. دق.
خطوات. ثقيلة مقصودة تصعد الدرج.
دفنت الهاتف تحت الوسادة بسرعة وانزلقت تحت الغطاء أرفعه حتى ذقني. أغمضت عيني بقوة وقلبي يدق في صدري حتى خشيت أن يسمعوه من خلف الباب.
توقفت الخطوات أمام غرفتي.
اهتز المقبض. ببطء أولا ثم بعنف.
إيلا
كان صوت الرجل. الأب المزيف.
إيلا يا عزيزتي لماذا الباب مقفل
ظللت مغمضة العينين متظاهرة بالنوم لكنني أدركت أنه يجب أن أجيب. إن صمت قد يحطم الباب.
أبي ناديت بصوت متثاقل. أنا لم أقصد. أردت أن أنام فقط. ربما أدرت القفل دون أن أشعر.
افتحي الباب يا إيلا قال. لم يكن غضبا بعد لكنه كان يحمل حدة معدنية أمرا باردا ملفوفا بنبرة أب حنون. حان وقت دوائك. نسيت أن تأخذي الحبوب بعد الحساء.
الدواء. إن خدروني انتهى أمري. لن أستيقظ إلا حين يريدون أو قد لا أستيقظ أبدا.
لا أحتاجه الآن قلت محاولة أن يبدو صوتي متبرما كابنة متعبة. معدتي منزعجة قليلا. أريد فقط أن أنام.
افتحي الباب يا إيلا. اهتز المقبض بعنف أشد. لن تتعافى عيناك إن لم تأخذي الدواء. هل تريدين أن تبقي عمياء إلى الأبد
كادت المفارقة أن تفجر الغثيان في حلقي. سآخذه لاحقا! أرجوك دعني أنام ساعة!
ساد صمت. حبست أنفاسي.
ثم سمعت ضحكة منخفضة خشنة لا تشبه ضحكة أبي الدافئة. حسنا يا كسولة. نامي. نحن هنا.
ابتعدت خطواته نزولا.
زفرت بارتجاف. لكن الراحة لم تدم. شعور خفي تزحزح على عنقي إحساس بأن أحدا يراقبني.
جلست ببطء. الغرفة فارغة. الباب مقفل. لكن الإحساس لم يختف. كان بدائيا غريزيا.
تقدمت نحو الباب وحملت أذني على الخشب. لا صوت. لا تلفاز في الأسفل لا حديث فقط صمت ثقيل خانق.
انحنيت على ركبتي وخفضت رأسي حتى لامست الأرض. نظرت من الشق الضيق بين أسفل الباب وألواح الأرضية عادة قديمة منذ طفولتي حين كنت أتحقق إن كان والداي ما زالا مستيقظين.
وضعت خدي على الخشب البارد
ونظرت إلى الممر.
انقطع نفسي.
على بعد ثلاث بوصات من الباب في الجهة الأخرى كان هناك وجه.
كان مقلوبا. الرجل الأب المزيف مستلق على الأرض رأسه ملتصق بالألواح كما أفعل أنا يقلد وضعي تماما.
لكن عينيه
كانتا مفتوحتين على اتساعهما بلا رمشة تحدقان مباشرة في عيني. حدقتاه نقطتان صغيرتان وسط بياض مصفر واسع. لم يكن يبحث عني كان ينظر إلي. كان يعرف. يعرف أنني هنا. يعرف أنني أستطيع رؤيته.
لثانية كاملة ظللنا نتبادل النظر عبر الشق. رعب مطلق. لم يتحرك. لم يرمش. فقط ابتسم وأسنانه بدت أطول مما ينبغي أحد مما ينبغي.
تراجعت متعثرة وأطبقت كفي على فمي كي لا أصرخ. زحفت إلى الخلف حتى اصطدم ظهري بحافة السرير.
لقد رآني. يعرف.
لكن إن كان يعرف لماذا لم يكسر الباب هل يلعب معي هل هي لعبة مريضة
مددت يدي نحو الهاتف
التقطت الهاتف من تحت الوسادة. كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف. مرت خمس عشرة دقيقة فقط لكنها بدت دهرا كاملا.
ظهرت رسالة من نوح استلمت السيارة. أقود بأقصى سرعة. أرسلي موقعك للتأكد.
ارتجفت أصابعي وأنا أفعل تحديد الموقع وأرسله. كتبت أسرع. إنهم يراقبونني. كان ينظر إلي من تحت الباب.
ظهرت النقاط الثلاث تدل على أنه يكتب.
أغلقي كل شيء بإحكام. أقود بسرعة تسعين ميلا في الساعة. سأصل قريبا.
جلست على السرير وضممت ركبتي إلى صدري. كان علي أن أجد شيئا أدافع به عن نفسي. وقعت عيناي على مصباح نحاسي ثقيل فوق الطاولة. نزعت القابس ولففت السلك حول قاعدته ممسكة بعنقه كما لو كان هراوة.
مر الوقت ببطء قاتل. كل صرير في المنزل كان إنذارا.
اهتز الهاتف من جديد. اتصال من نوح.
هل وصلت همست فورا.
جاء صوته مترددا مشوشا إيلا أنا أنظر إلى الموقع الذي أرسلته. هل أنت متأكدة أنه صحيح
نعم! إنها الفيلا! التي عشنا فيها ثلاثة أشهر!
إيلا المكان الذي حددته مدرج على الخرائط كمنزل مهجور. مهجور منذ عام 2018.
تجمد الدم في عروقي. هذا مستحيل. أنا في بيت مفروش فيه كهرباء وطعام. والداي استأجراه!
أنا على الطريق الآن. أرى البوابة. أرى المنزل تردد لحظة ثم قال بصوت مشدود النوافذ في الطابق الأرضي مسدودة بألواح خشبية. العشب طويل جدا. لا توجد سيارة في الممر.
تقدمت ببطء نحو نافذة غرفتي. لم أكن قد نظرت إلى الخارج بعد. أزحت الستارة الثقيلة.
شهقت.
كان نوح محقا ومخطئا في آن واحد.
من الداخل بدا كل شيء طبيعيا حديقة مشذبة ضوء شمس صاف ممر نظيف. لكن لم تكن هناك سيارة.
أنا أنظر الآن يا نوح. يبدو المكان طبيعيا مثاليا تقريبا.
أنا عند البوابة. مغلقة بسلسلة. سأصدمها بالسيارة.
لا! صرخت هامسة. إذا أحدثت ضجة سيلوني! عليك أن تدخل بهدوء.
إيلا لا أحد هنا! المنزل خراب!





