
اشعار تاني حكايات اسما
“بابا… الأبلة بتوجعني لما محدش يكون شايف.”
تجمّد كريم ومعلقة الشوربة واقفة في الهوا.
طبق شوربة اللسان عصفور كان لسه بيطلع بخار فوق السفرة، لكن المطبخ فجأة بقى ساقع كأنه أوضة مستشفى.
ملك، بنته اللي عندها ست سنين، ما بصتلوش. كان يونيفورم المدرسة مكرمش، والشراب نازل لحد كعبها، وإيديها الصغيرة مخبياهم تحت الترابيزة.
— إنتِ قولتي إيه يا حبيبتي؟
بلعت ملك ريقها بصعوبة.
— الأبلة داليا بتتعصب مني لما كل العيال ينزلوا الفسحة… بتقول إني بطيئة، وبتضغط عليا هنا.
رفعت كم البلوزة الصغيرة.
كان فيه علامة زرقا جنب كتفها… صغيرة، بالكاد تتشاف، لكنها كانت كفاية تخلي قلب كريم يقع في رجليه.
— ليه ماقولتيليش قبل كده؟
— لأنها قالتلي إن محدش هيصدقني… وإنك هتفتكر إني بكذب.
نزل كريم على ركبته قدامها، وحضنها بهدوء كأنها ازاز ممكن يتكسر بين إيديه.
في الليلة دي اتصل بمدرسة “النيل الدولية”، وهي مدرسة خاصة في التجمع الخامس، وملك فيها من أول الحضانة.
ردت المديرة، الأستاذة منى السيوفي، بصوت هادي زيادة عن اللزوم.
— أستاذ كريم، أنا متفهمة قلق حضرتك… لكن ملك طفلة حساسة شوية، وأوقات بتفهم التنبيه العادي بشكل أكبر من حجمه.
— بنتي ما بتألفش كدمات — قالها كريم وهو ضاغط على الموبايل بعصبية.
— الأبلة داليا بقالها أكتر من 15 سنة شغالة هنا، وماجالناش ضدها أي شكوى رسمية قبل كده.
تاني يوم الصبح، راح كريم المدرسة وماسك إيد ملك.
البنت كانت لازقة فيه وماشية وهي باصة للأرض.
دخلوا مكتب المديرة، فابتسمت لهم كأنهم بيتكلموا عن دفتر واجب ضايع.
— أكيد فيه سوء تفاهم بسيط.
وفي اللحظة دي دخلت داليا.
شعرها مربوط، ونضارتها كبيرة، وعلى وشها ابتسامة هادية مستفزة.
— ملك يا حبيبتي… إنتِ كويسة؟
ملك استخبت فورًا ورا رجلين أبوها.
وفي اللحظة دي… كريم فهم كل حاجة.
— أنا عايز أشوف كاميرات الفصل والممر.
ابتسامة المديرة اختفت فورًا.
— للأسف ده ضد البروتوكول، علشان خصوصية باقي الأطفال.
— طيب غطوا وشوشهم… وروني بنتي بس.
— الموضوع مش بالسهولة دي يا أستاذ كريم.
خرج كريم من المدرسة وقلبه مليان يقين مرعب:
هما مش متلخبطين… هما بيحموا نفسهم.
في نص الليل، صحي على صوت صريخ ملك.
— لا يا أبلة! بالله عليكي لا!
جري على أوضتها.
لقاها قاعدة فوق السرير بتترعش وبتغطي وشها بإيديها الصغيرة. حضنها بسرعة وهي بتعيط.
— أنا مصدقك يا حبيبتي… والله مصدقك.
يوم الاثنين اللي بعده، راح يعمل محضر رسمي.
الشرطة راحت معاه المدرسة، لكن المديرة كررت نفس الكلام:
من غير إذن نيابة… مفيش تسجيلات.
وفي نفس اليوم بالليل، جروب أولياء الأمور على واتساب انفجر.
المدرسة بعتت بيان رسمي:
“بخصوص الشائعات المنتشرة مؤخرًا، نؤكد عدم وجود أي دليل على سلوك غير لائق من أحد أفراد الطاقم التعليمي، وأن الطفلة المعنية تتلقى دعمًا نفسيًا نظرًا لحساسيتها الزائدة.”
قرأ كريم الجملة أكتر من عشر مرات.
“الطفلة المعنية.”
ماكتبوش اسم ملك… لكن كل الناس فهمت.
وخلال دقائق بدأت الرسايل الخاصة توصله.
“هو الكلام اللي عن ملك حقيقي؟”
“ابني بيقول إنها دايمًا بتعيط في الفصل.”
“لازم تفكر كويس قبل ما تدمر سمعة مُدرسة محترمة.”
وبعدين وصلت الرسالة الأصعب… من واحدة من أمهات الفصل:
“بصراحة، الأبلة داليا كانت دايمًا بتقول إن ملك طفلة صعبة ومش طبيعية.”
حس كريم بغضب ناشف بيحرق صدره.
حولوا بنته من ضحية… لمتهمة.
وفي الليلة دي، بينما كانت ملك نايمة وحاضنة الأرنب اللعبة بتاعتها، وقف كريم قدام الشباك ساكت.
المدرسة اختارت روايتها خلاص.
الأبلة ملاك.
المديرة حكيمة.
البنت بتبالغ.
وهو؟
أب عامل مشاكل.
لكنه ماكنش يعرف إن الحقيقة اللي مستخبية جوا المدرسة… أسوأ بكتير مما تخيل.
الجزء الثاني في التعليقات….لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الفصل الثاني
في صباح اليوم التالي، لم تذهب ملك إلى المدرسة.
كانت جالسة على الكنبة الصغيرة في الصالة، حاضنة الأرنب اللعبة بتاعتها، وعينيها ثابتة على التلفزيون المفتوح من غير ما تتابع أي حاجة.
أما كريم… فكان واقف في المطبخ من غير ما يشرب القهوة اللي بردت قدامه من ساعة.
طول الليل وهو بيفكر في جملة واحدة:
“هما بيخبّوا إيه؟”
رن موبايله فجأة.
رقم غريب.
رد بسرعة: — ألو؟
جاله صوت ست متردد: — حضرتك أستاذ كريم؟
— أيوه.
سكتت ثانيتين قبل ما تقول بهمس: — أنا مش هقدر أقول اسمي… بس لازم تعرف إن بنتك مش أول طفلة.
اتجمد مكانه.
— يعني إيه؟
— في أطفال تانيين كانوا بيخافوا من الأبلة داليا… بس الأهالي كانوا بيسكتوا.
— عندك دليل؟
— ابني كان في فصلها السنة اللي فاتت. كان بيرجع البيت مرعوب… وكان بيقول إنها بتحب تعاقب الأطفال لما يبقوا لوحدهم.
شد كريم الموبايل بقوة: — ليه ما اتكلمتوش؟
ضحكة مكسورة خرجت منها: — علشان المدرسة قوية… والناس بتخاف. كل اللي اشتكى قبل كده اتحارب.
قبل ما يسألها أي حاجة تانية… قفلت الخط.
فضل واقف ثواني طويلة بيبص للموبايل.
وبعدين لأول مرة… حس إن الموضوع أكبر من مجرد مُدرسة عصبية.
بعد الضهر، راح القسم يتابع المحضر.
الضابط كان بيقلب الأوراق بملل: — بص يا أستاذ كريم… من غير تقرير طبي واضح أو فيديو… الموضوع صعب.
— يعني أسيب بنتي؟
— محدش قال كده، بس القانون محتاج أدلة.
خرج كريم وهو حاسس إن الدنيا كلها ضدّه.
وفي اللحظة اللي ركب فيها عربيته… لمح عربية سوداء واقفة الناحية التانية من الشارع.
جواهـا… الأبلة داليا.
كانت قاعدة تبصله من ورا الزجاج الغامق.
ابتسمتله.
ابتسامة باردة خلت الدم يتجمد في عروقه.
وبعدين دارت العربية ومشيت ببطء.
في الليل، كانت ملك نايمة جنب أبوها لأول مرة من سنين.
فجأة فتحت عينيها وسط الضلمة وقالت بصوت مرتعش: — بابا؟
— نعم يا حبيبتي؟
— هو أنا وحشة؟
اتقطع قلبه.
— مين قالك كده؟
— الأبلة داليا… قالتلي إن محدش بيحب الأطفال البطيئين… وإن أنا بخلي الناس تتعصب.
ضمها لصدره بقوة: — إنتِ أحلى حاجة حصلتلي في حياتي… فاهمة؟
بدأت تعيط بصمت.
وبعد دقائق نامت من التعب.
لكن كريم ماعرفش ينام.
فتح اللاب توب… وبدأ يدور على اسم المدرسة.
في البداية ظهرت مقالات عادية عن التفوق والنشاطات والرحلات.
لكن وسط النتائج… لقى منشور قديم في جروب أمهات على فيسبوك.
أم كاتبة من أربع سنين:
“حد عنده مشكلة مع الأبلة داليا؟ ابني بقى بيخاف يروح المدرسة.”
الكومنتات كانت محذوفة.
لكن فيه رد واحد لسه موجود:
“خلي بالك… المدرسة بتمسح أي شكوى.”
حس قلبه يدق بعنف.
وبدأ يدور أكتر.
حسابات مقفولة.
منشورات محذوفة.
أهالي اختفوا فجأة من المدرسة.
وفي وسط كل ده… ظهر اسم متكرر أكتر من مرة:
“ياسين الشرقاوي.”
دخل على البروفايل.
رجل في الأربعينات، صورته مع طفل صغير.
آخر منشور عنده كان من سنتين:
“مش هسامح اللي كسر ابني.”
بلع كريم ريقه وبعتله رسالة فورًا:
“أنا أبو طفلة في مدرسة النيل الدولية… ومحتاج أتكلم معاك ضروري.”
الرسالة اتعلمت “Seen” بعد دقيقة.
لكن مفيش رد.
وفجأة… جاله إشعار بصورة.
ياسين بعت صورة واحدة فقط.
صورة لطفل صغير… وعلى ذراعه كدمات زرقا.
وتحت الصورة رسالة قصيرة:
“لو بتحب بنتك… متخليش حد يعرف إنك بتدور.”
يتبع





