
رحت احول الاوراق زهره
بصيت لطارق نظرة أخيرة، نظرة كان فيها كل الوجع اللي شيلته ٨ سنين، وقلت له بصوت ثابت، صوت امرأة قررت تنهي مهزلة طويلة: “شوف يا طارق، أنت طول عمرك كنت فاكر إنك بتعمل (الخير)، بس الحقيقة إنك كنت بتعمل (الظلم) في أبهى صوره. أنت كنت بتشتري راحة ضميرك بدمنا، بدمي وبدم نور. لو عايز هالة وسليم، اتفضل.. البيت بيتك، بس من اللحظة دي، لا أنا ولا نور لينا مكان هنا.”
حاول يمسك إيدي، بس أنا اتنفضت من لمسته وكأنه نار. “أنا مش هسيب بنتي تعيش في بيت فيه واحدة غريبة، وتشوف أبوها بيحب ابن أخوه أكتر منها، ويأكلها الفتات ويشبع الغريب. كفاية ٨ سنين ضاعوا، كفاية دموع نور اللي شربتها في صمت.”
دخلت الأوضة، بدأت ألم هدومنا
بجنون، مش هدوم، دي كانت بقايا كرامة بلمها في شنط. طارق كان واقف على باب الأوضة، بيحاول يمثل دور الراجل العاقل: “إنتي بتعملي إيه؟ ده جنان! الناس هتقول إيه؟ مراتي سابت البيت عشان أخويا مراته وأبنه هيعيشوا معانا؟”
بصيت له وضحكت ضحكة كلها مرارة: “الناس؟ الناس اللي أنت خايف منهم دول ما شافوش نور وهي بتغسل المواعين على كرسي عشان طولها مش جايب الحوض، ما شافوش نور وهي بتلبس جزمة مرقعة عشان سليم يلبس براندات. الناس اللي خايف منهم ما يعرفوش إنك خذلتنا، وخذلت الأمانة اللي في رقبتك.”
خدت نور وخرجت، قفلت باب الشقة ورايا بقوة، كأني بقفل باب سجن عشت فيه سنين. في الشارع، كان الهوا بارد، بس صدري كان حاسس براحة غريبة. ركبنا القطر اللي رايح البلد، وفي الطريق، نور حطت راسها على كتفي وقالت: “يا ماما، إحنا مش هنرجع تاني، صح؟”
ضميتها لحضني جامد، وقلت لها: “لا يا نور، مش هنرجع. إحنا رايحين لمكان فيه ناس تعرف قيمتنا، مكان مفيش فيه “سليم” ولا “هالة”، مكان إحنا فيه الأهم، إحنا فيه الملكات.”
لما وصلنا، لقيت بيت جدي مفتوح، وأهلي استقبلوني بدموع، مش شفقة، لكن بترحيب وحب حسيت إني فقدته سنين. مر الوقت، وبدأنا حياة جديدة. اشتغلت في “خياطة” فساتين بسيطة، وبدأت نور ترجع لمستواها الدراسي العالي، وبدأت
ملامحها تتغير، الابتسامة رجعت لوشها، الخوف من عينيها اختفى.
عدى سنة.. كان فيها طارق بيحاول يوصل لي، بيبعت ناس، بيبعت فلوس، بس كنت برجع كل حاجة زي ما هي. وفي يوم، جالنا خبر إن “طارق” اتفاجئ بالواقع اللي كان بيحلم بيه. هالة ما كانتش الأرملة المظلومة اللي في خياله، هالة كانت عايزة “خادم” يلبّي طلباتها، ولما طارق لقى نفسه مديون ومطحون، بدأت المشاكل تدب في البيت، وانتهت بإن هالة سابته وراحت لأهلها، وسليم كبر وبقى جاحد، ما بقاش يسأل عن عمه اللي شاله سنين.
طارق بقى لوحده، في بيت كان زمان بيملاه بالحب، ودلوقتي بقى جدران صامتة.
أنا ونور النهاردة، واقفين على رجلنا. نور بقت في مدرسة نموذجية، وشنطتها الجديدة “أوريجينال” زي ما كانت بتحلم، وجزمتها أحلى جزمه في الفصل. قعدت أنا ونور في يوم من الأيام، بنبص للصور القديمة، نور شافت صورتها وهي بتغسل المواعين، وبصت لي وقالت: “ماما، كنتي بطلة.”
ابتسمت ومسحت على شعرها وقلت: “مش بس بطلة يا نور، أنا كنت بتعلم درس، إن الأم اللي مش بتعرف تاخد حق بنتها، بتظلمها أكتر من أي حد في الدنيا. والراجل اللي بيشوف كرامة مراته وبنته رخيصة، هو اللي بيبقى خسران في الآخر.”
الحياة يا حبيبي مش بس (صبر)، الحياة (قرار). والقرار الصح أحياناً بيبقى قاسي ومؤلم في
بدايته، بس هو اللي بيبني طريق المستقبل. أنا النهارده “نادية”، الست اللي قفلت باب الماضي، وفتحت لنفسها ولأولادها باب النور.
عشنا، وكبرنا، وبقينا أغنى بكتير من أي فلوس صرفناها على الغرباء. بقينا أغنى براحة بالنا، بحبنا لبعض، وبفخرنا بنفسنا. ومن يومها، علمت نور إنها ما تسمحش لأي حد يقلل من قيمتها، حتى لو كان أقرب الناس ليها، لأن في الآخر، ما فيش حد هينفعك غير (نفسك) اللي تعبت وشقيت، وما فيش حد يستحق حبك غير اللي بيشوفك “الدنيا كلها” مش مجرد “حمل تقيل” بيشيله عشان يرضي غيره.
دي كانت حكايتي، حكاية “نادية” اللي ما استسلمتش، و”نور” اللي بقت زهرة ربيع حقيقية، حكاية لكل واحدة بتعاني، لكل واحدة فاكرة إن الصبر هو السكوت.. لا يا حبيبتي، الصبر هو إنك تكوني قوية كفاية عشان تاخدي القرار اللي يرجع لك آدميتك، ويرجع لبنتك حقها في حياة كريمة، تليق بيها وبتربيتك ليها.
أنا دلوقتي ببص في المرايا وبشوف ست تانية خالص، ست ملامحها مرسومة بالثقة، مش بالهم. ست عرفت إن الدنيا دي زي ما بتاخد، لازم نعرف إزاي ناخد منها حقنا، وإزاي نحمي بيوتنا من أي “دخيلي” ممكن يهد استقرارنا باسم الإنسانية الكدابة.
خلاص يا طارق، الصفحة اتقفلت، والحبر جف، والورقة اتحرقت، ومبقتش أنت إلا ذكرى لدرس قاسي اتعلمته، وخرجت
منه بدرجة “امتياز”.





