
في ليلة الزفاف اكتشفت الحقيقة التي أخفتها أربعون عامًا
على السرير تلك الليلة شعرت أن شيئا كبيرا حدث دون احتفال. ربما لم يلحظه أحد لكنه غير هواء البيت كله.
في العيادة قالت المعالجة بهدوء وهي تدون ملاحظاتها إنك لا تحتاجين إلى مواجهة من آذاك لكي تشفى جراحك الشفاء يحدث حين ترفعين يديك عن الماضي وتتركينه يذهب. قالت ليندا أخاف فقط أن يعود حين أغفو. قالت المعالجة سيعود في البداية لكنك في كل مرة ستجدينه أقل قوة. تعلمي أن تقولي له رأيتك وعرفتك وودعتك. في الليلة التالية حين تململت ليندا في نومها وضعت راحتي على ظهرها فوق اللحاف كمن يضع حجرا صغيرا على ورقة لئلا تذهب بها الريح فهدأ تنفسها وتنفست معها وكأننا نعد الموج.
كتبت في دفتري على عادة صارت طقسا مسائيا العائلة قد تكون شيئا لم نعرفه من قبل أم غائبة نحفظ لها شمعة تشتعل مساء الأحد امرأة تخيط لحافا للفتاة التي كانتها ابن وابنة يتعلمان كيف يوسعان الكرسي ليجلس شخص ثالث دون أن يضيق
المكان ورجل يضع يده على ظهر مغطى بالقطن الأزرق ويعلم أن يده لا تخيف. أغلقت الدفتر وأنا أبتسم لم أفكر كم بقي من العمر ولا كم مضى فكرت فقط أن هذا المساء يستحق أن يعاش كما هو.
بعد شهور تلقينا دعوة صغيرة من مركز محلي لدعم الناجين. طلبوا من ليندا أن تقرأ فقرة من حكايتها. ارتبكت ثم قالت سأحاول. وقفنا معا أمام صف من الكراسي وجوه كثيرة تحمل ملامح مرهقة وعيونا تنتظر كلمة لا تدينها. قرأت ليندا ببطء لم ترتجف يدها كثيرا ولم تختنق الكلمات كما توقعت. حين انتهت صفق الحضور صفقا يشبه تمتمة دعاء. تقدمت امرأة في الأربعين قالت لليندا لم أنم ليلة كاملة منذ سنوات. الليلة سأجرب.
في الطريق إلى البيت مررنا بجانب البحيرة كانت المياه ساكنة كمرآة هادئة والضوء ينعكس على السطح في خيوط طويلة. قالت ليندا أتذكر حين التقينا هنا أول مرة قلت أذكر معطفك الأزرق الفاتح. ضحكت وقالت ما زلت أملكه. قلت أريد أن تلبسيه غدا ونمشي في نفس الطريق. قالت سنفعل لكن سنحمل معنا خبزا صغيرا للبط. قلت والهيل للقهوة حين نعود. كان الاتفاق بسيطا لكنه بدا كأننا نصنع عهدا طويلا بأشياء صغيرة.
في مساء الأحد فرشنا القماش الأبيض وأشعلنا الشمعة. وضع دانيال هاتفه بعيدا جلست ربيكا قبالتي ترسم على منديل ورقي قلبا صغيرا ثم تمحوه بإصبعها. قالت ليندا بهدوء كنت أظن أن البيوت جدران وأبواب ومفاتيح اليوم تعلمت أنها وجوه
وأصوات وسؤال يقال بصوت صحيح في لحظة صحيحة هل أنت بخير سألتها هل أنت بخير نظرت إلي طويلا ثم هزت رأسها. قالت نعم. ولم يكن في نعمها ادعاء كان فيها صدق يتعلم المشي من جديد.
ما عدت أخاف أن أذكر كارول أمام ليندا وما عادت ليندا تخاف أن تذكر ما مضى أمامنا. قالت ربيكا يوما أذكر أمي حين كانت تضحك حتى تغمض عينيها. قالت ليندا سأحاول أن أضحك هكذا هذه المرة. ثم ضحكت وضحكنا. لا أحد أخذ مكان أحد كل جلس في المكان الذي يليق به وكان البيت يسع الجميع. أحيانا في الصباح الباكر أنظر إلى الكرسي الهزاز قرب النافذة فأسمع خشبه يهمس بنغمة قصيرة كأنه يقول لا تقلقوا أنا هنا. لا أعرف كيف يعطي الكرسي شعور الأمان لكنه فعل.
في مذكراتي كتبت ذات ليلة ما الذي اكتشفته في ليلة زفافي اكتشفت أن الشجاعة ليست في كشف الندوب بل في أن نضع يدنا فوقها برفق فلا تتألم وأن نقول لصاحبتها لست مجروحة اليوم أنت إنسانة تشفى. اكتشفت أن الرجل قد يتعلم في الحادية والستين ما لم يتعلمه في العشرين أن الحب لا يطلب دليلا ولا يفرض شكلا بل يمنح مسافة آمنة لينمو. اكتشفت أنني لا أريد أن أكون بطلا في حكاية أحد أريد فقط أن أكون سببا في أن ينام الليل هادئا في بيتنا.
مرت سنة. لم أعد أعد الأيام على طريقة الأرامل. صارت الأيام تحسب بطريقة أخرى كم مشيا مشينا على ضفة البحيرة كم فنجان قهوة بالهيل صنعناه في صباح خجول كم مرة أشعلنا شمعة الأحد كم ضحكة خالصة خرجت من القلب ووصلت إلى العينين. نظرت إلى ليندا وهي ترتب هدب الستارة لتدخل الشمس أكثر فشكرتها في سري على الشجاعة التي علمتني إياها وعلى حنان لم يكن يستعرض نفسه ولا يطالب بتصفيق. اقتربت منها وضعت يدي على كتفها شعرت بعظامها الصغيرة
تحت الجلد ثم مررت يدي برفق على ظهرها فوق اللحاف الأزرق. لم ترتجف. التفتت إلي بعينين فيهما ماء قليل الدموع وكثير الضوء. قالت أتعرف منذ زمن لم أشعر أن ظهري ظهر عادي. اليوم أشعر أنه جزء مني لا أخافه. قلت وأنا أشعر أن ظهري صار لك سندا إن ضعف يوما.
خرجنا ذلك المساء إلى الشرفة. كانت أنوار كليفلاند البعيدة تلمع بنقاط صغيرة كأن نجوما قررت أن تسكن الأرض لبعض الوقت. جلسنا متجاورين لا نحتاج إلى كلام كثير. مرت قطة تشمشم في أطراف العشب ومرت رائحة خبز من بيت الجيران وفكرت أن الحياة تطحننا ساعات طويلة لتصنع لنا فتاتا من خبز حلو كهذا فلو أننا انتبهنا لكل فتات صغير لربما شكرنا أكثر. قلت
بصوت خافت شكرا لأنك سمحت لي أن أكون هنا. قالت شكرا لأنك لم تحاول أن تسرع الزمن. بقيت أنظر إلى الشارع وأحسست أن الليل ليس خصما كما كان وأن الظلام حين يقاس بالدفء الذي في الداخل يصير أقل صرامة وأكثر آدمية.
حين دخلنا وأغلقنا الباب نصف إغلاق كما اعتدنا تذكرت الليلة الأولى حين تجمدت وأنا أرى الندوب. شعرت الآن أني لم أعد
مشلولا. كنت واقفا ربما ليس بصلابة من يحمل العالم لكن بصلابة تكفي لحمل يد تتعرف إلى نفسها من جديد. وضعت دفتري على الطاولة وكتبت لم أتزوج في هذا العمر لأثبت أن الحب ممكن فحسب بل لأتعلم أن الحب الصحيح هو الذي يترك لك ظهرا بلا خوف ونافذة يدخل منها الصباح دون استئذان. رفعت رأسي فرأيت ليندا تبتسم لي ابتسامة لا تشبه ابتسامات التعارف الأولى ابتسامة فيها وعد لا يحتاج إلى قسم. قلت هل أنت سعيدة قالت نعم بما يكفي لئلا أخاف من الليل. قلت وأنا. أطفأنا المصباح وسحبنا اللحاف وتشابكت أصابعنا كما تشابكت في تلك الليلة لكن كل شيء كان مختلفا. كان القلب مطمئنا وكانت الروح تميل على الروح كما يميل غصن أخضر على غصن أخضر. وحين غفونا شعرت أننا نائمون في بيت تعلم أخيرا كيف يتنفس.





