
القاضي والطفله
فهم إن فيه دراما إنسانية بتهد جدران المحكمة.
رأفت حط الموبايل على ودنه وقال بكلمة واحدة، كلمة مخرجتش من زوره بقالها سنين
دينا.. دي أنا يا بنتي.. أنا بابا.
على الناحية التانية من الخط، دينا سكتت تماماً. مكنش فيه غير صوت شهقات مكتومة. وبعدين، صوتها طلع بمرارة سنين
إنت يا سيادة المستشار؟ إنت اللي هتحكم في قضيتي؟ طب م تفتكرش إنك حكمت عليا بالإعدام من سنتين لما طردتني؟ عاوز تحكم عليا بإيه تاني؟ عاوز تاخد مني بنتي وتديها ل أحمد اللي بيضربني وبيهين كرامتي عشان بس يكسر عيني؟
رأفت بص ل أحمد جوز بنته اللي كان قاعد في الصف الأول ببرود، والابتسامة اللي كانت على وش أحمد تلاشت تماماً وبقى وشه أصفر. أحمد كان عارف إن القاضي هو حماه، وكان معتمد إن رأفت بيكره بنته ف هيحكم ضدها عناد وتأديب ليها.
رأفت ساب الموبايل على المنصة، ونزل من فوق الكرسي العالي. نزل ل مستوى حفيدته ملك. القاضيالعظيم، اللي م بينحنيش لحد، نزل على ركبه قدام الطفلة.
لمس شعرها بحنية وقال لها
إنتي ملك؟
ملك هزت راسها ببراءة أيوة.. وماما قالت لي إن جدو قاضي كبير وبيجيب الحق.. هو إنت هتجيب حق ماما؟
في اللحظة دي، الموبايل اللي كان على المنصة رن تاني، بس المرة دي رسالة صوتية وصلت على واتساب الأستاذ عصام المحامي اللي ملك سحبت منه الموبايل. عصام ارتبك جداً وحاول ياخد الموبايل، بس المستشار رأفت، بغريزة القاضي، داس على تشغيل قبل ما عصام يوصل له.
الصوت اللي طلع كان صوت أحمد جوز دينا وهو بيكلم المحامي عصام قبل الجلسة بيوم
يا عصام، رتب لي الشهود.. أنا عاوزهم يشهدوا إن دينا غير متزنة نفسياً وبتهمل البنت. المستشار رأفت كدة كدة بيكرهها ومش هيصدقها، وإحنا هنلعب على الوتر ده. لازم البنت تبقى معايا عشان أذل دينا وأخليها ترجع تبوس رجلي عشان تشوف بنتها.
صمت القبر خيّم على القاعة. أحمد قام وقف وهو بيترعش ده فوتوشوب! ده تسجيل متفبرك!
رأفت قام وقف، وطوله بقى كأنه مأذنة في القاعة. عينيه كانت بتطلع شرار عدل ملوش مثيل.
بص لأحمد وقال له ببرود مرعب
المحكمة لا تلتفت للادعاءات.. المحكمة ترى الحقيقة بعين ملك. المحضر يا سكرتير!
رأفت رجع مكانه على المنصة، بس المرة دي مكنش القاضي الجلاد، كان القاضي الإنسان. بص ل دينا اللي كانت دخلت القاعة وجريت حضنت ملك وهي بتعيط، ومنظرهم وهما متشبثين ببعض كسر أي قانون جاف.
رأفت خبط بالمطرقة خبطة واحدة هزت القلوب
حكمت المحكمة.. حضورياً أولاً، برفض دعوى الطاعة المقدمة من المدعو أحمد كمال الشناوي. ثانياً، إثبات حضانة الطفلة ملك لوالدتها دينا رأفت المنشاوي بصفة نهائية. ثالثاً، تحويل المدعو أحمد كمال الشناوي والمحامي عصام … للنيابة العامة بتهمة التآمر لشهادة الزور ومحاولة تضليل العدالة.
القاعة انفجرت بالتصفيق، والمستشار رأفت لأول مرة مأمرش بإخلاء القاعة. ساب الناس تفرح بالعدل.
بعد الجلسة، رأفت نزل من المنصة وقلع الروب الأسود. مشي ناحية دينا وبنتها. دينا كانت بتبص له بخوف وعتاب.
رأفت مد إيده ومسح دموع بنته وقال لها
أنا حكمت بالعدل يا دينا.. بس لسه محكمتش على نفسي. سامحيني يا بنتي، أنا كنت فاكر إن القانون هو الورق، ونسيت إن القانون هو الرحمة. البيت مستنيكم.. والجد رأفت مستني حفيدته تعلمه إزاي يضحك تاني.
دينا ارتمت في حضن أبوها، وملك مسكت إيديهم الاثنين وقالت ببراءة
شوفتي يا ماما؟ جدو جاب الشوكولاتة وجاب الحق كمان!
ومن اليوم ده، القاعة 4 مأبقتش مجرد مكان للحكم، بقت رمز لليوم اللي العدل فيه لبس وش الحنية، واليوم اللي القاضي فيه اكتشف إن دمه أغلى بكتير من كبريائه.
العبرة م تفتكرش إنك لما تظلم حد من دمك هترتاح، لأن الدنيا دوارة وممكن تقعد على كرسي القضاء وتلاقي نفسك إنت اللي بتتحاكم.. والعدل الحقيقي هو اللي بيجمع القلوب، مش اللي بيفرقها.





