قصص قصيرة

رفضت ادفع الفاتوره

الفاتورة بالتفصيل. وأنا مستنية، فتحت واتساب وبعت رسالة لشخص واحد رنا، المحامية وصاحبة عمري من أيام الجامعة. أنا اتعرضت للاعتداء في مطعم.. وفيه كاميرات صوّرت كل حاجة. محتاجة رأيك دلوقتي. رنا ردت في ثواني اثبتي مكانك. اطلبي منهم يتحفظوا على التسجيلات. م تمضيش على أي حاجة. واطلبي النجدة فوراً لو فيه أي تهديد. كلامها خلاني أحس براحة ناشفة وعملية كأني بربط حزام الأمان قبل الصدام.
الفاتورة وصلت. وفعلاً، كان فيه طلبات اضافيه ، وبند إضافات خاصة محدش عارف يفسره. أستاذ إبراهيم اعتذر وأمر بتعديل الحساب. ناهد حاولت تتدخل، بس السيطرة خلاص م بقتش في إيدها. مسكت موبايلي وبصيت لحازم إنت كنت بجد متوقع إني هدفع كل ده.. بعد ما حدفت العصير في وشي وفرجت الناس عليا اهنتني في البيت وقولت معلش جوزي وماحدش شايف لكن انت فرجت الناس عليا
حازم وطّى صوته وهو بيحاول يرجع سيطرته المزيفة نور، ياللا نمشي.. إنتي بتصغري نفسك قدام الناس. 
ابتسمت لأول مرة، بس مكنتش ابتسامة فرح إنت اللي صغرت نفسك لما افتكرت إنك تقدر تعاملني كدة قدام الكل وتعدي بسلام.
حازم قرب مني وهمس بمنتهى الغل لو طلبتِ البوليس، انسيني.. كل اللي بيننا هينتهي هنا. قالها كأنها تهديدأخير، كأنه فاكر إن ده أكبر كابوس ليا. ثبت عيني في عينه ورديت بكلمة واحدة وده بالظبط اللي أنا عاوزاه. وقدام المدير والكل، ضربت رقم 122.
لما رد، حسيت إن المطعم كله بدأ يتنفس تاني، وكأن الواقع رجع لمجراه. مساء الخير، محتاجة نجدة.. أنا اتعرضت للاعتداء والتهديد في مطعم، وفيه كاميرات مصورة كل حاجة. حازم اتسمّر مكانه، محبوس بين كبريائه والناس اللي بتتفرج. ناهد هانم حاولت تعمل دور الست الشريفة المظلومة إيه الجنان ده! ابني مستحيل يعمل كدة..! بس صوتها مابقاش له أي هيبة. أستاذ إبراهيم، بمنتهى الهدوء والاحترافية، هز راسه 
وقال تحت أمرك يا فندم، إحنا هنتحفظ على تسجيلات الكاميرات.
الشرطة وصلت بسرعة. دخل أمين شرطة وظابطواحد اتكلم معايا، والتاني اتكلم مع حازم. حكيت اللي حصل بالظبط من غير أي تزويد الفاتورة، والضغط اللي عملوه، وكاس العصير اللي اتحدف في وشي، والكلمة اللي قالها بالحرف هتدفعي، ولا كل اللي بيننا يخلص هنا وحالاً. الظابط كان بيكتب كل كلمة. أستاذ إبراهيم أكّد إن الكاميرات صورت الواقعة وإنهم مستعدين يسلموا التسجيلات. لما سمعت كدة، شفت أول شرخ حقيقي في وش حازم نظرة بتقول إن الموضوع خرج عن سيطرته تماماً. ناهد، من ناحيتها، فضلت تمثّل، بس المرة دي كانت بتمثل لنفسها بس، محدش كان مهتم يسمعها.
الليلة دي مخلصتش وأنا في قسم الشرطة بعيط. خلصت وأنا في بيتي، مع صاحبتي، بقلع فستاني المتبهدل وباخد قراراتي. تاني يوم، رنا المحامية راحت معايا عشان نقدم البلاغ الرسمي ونطلب أمر عدم تعرض. وفي وسط الإجراءات دي، بدأت أشوف بوضوح حاجات كنت فاكراها عادية التريقة اللي كانت بتقلل مني، والضغط عشان أدفع عشان المنظرة، وإزاي حازم كان دايماً في صف أمه كل ما أحاول أحط حدود. كاس العصير مكنش غلطة لحظية.. ده كان القشرة اللي بانت من جبل جليد كان بيكبر بقاله سنين.
حازم بدأ يبعت رسايل بتتحول من تهديدات لاعتذارات في خلال ساعات. إنتي دمرتيني، سامحيني كنت متنرفز، أمي هي اللي استفزتك، تعالي نرجع ونصلح اللي انكسر. رديت عليه مرة واحدة بس إنت مستفزتنيش.. إنت كشفت نفسك وبس. وبعدها، عملت بلوك لكل أرقامه. لميت حاجتي في وجود حد من قرايبي. وقفت الحساب المشترك قانونياً وبالورقة والقلم. مكنش موضوع سهل، بس كان نضيف. أكتر حاجة وجعتني مكنتش خسارة الجواز؛ اللي وجعني بجد إني اكتشفت كام مرة بلعت إهانتي وضغطت على نفسي.. عشان هما بس يحسوا إنهم مرتاحين.
بعد أسابيع، عرفت من معارف مشتركين إن الحكاية في شلتهم اتغيرت مية مرة. مرة يقولوا إنها كانت هزار، ومرة إني أفورت في رد فعلي، ومرة إن نور طول عمرها غاوية لفت نظر.
بس الغريب إن محدش فيهم عرف يفسر ليه المطعم اضطر يفرغ الكاميرات وليه فيه محضر رسمي بالواقعة. م دخلتش في مهاترات ولا حاولت أصلح روايتهم؛ لأني اتعلمت حاجة بسيطة الحقيقة مش دايماً بتحتاج تزعق عشان تتسمع، هي بتبقى واقفة وطولها هيبة لوحدها.
أنا بحكي الحكاية دي لأني عارفة إن ستات كتير هيعرفوا المشهد ده كويس الابتزاز اللي متغلف بكلمة اعملي كدة عشان خاطرنا، والإهانة العلنية اللي بيستخدموها كتكتيك لكسر العين، والتهديد بالانفصال اللي بيتقدم كأنه دليل حب. لو حصل معاكي حاجة شبه كدة، أو لو حد قبل كدة حسسك بالذنب عشان بس حطيتي حدود لنفسك، حابة أسمع منك.
كنتي هتعملي إيه مكاني؟ كنتي هتدفعي عشان تلمي الدور وتتجنبي الفضيحة، ولا كنتي هتطلبي النجدة زي ما عملت؟ وهل تفتكري إن فيه فرصة تانية ممكن تنفع بعد اعتداء بالشكل ده؟
نور النهاردة بتبني حياة تانية خالص، حياة مفيهاش فواتير ذل ولا منظرة كدابة. اتعلمت إن أغلى حساب دفعته في حياتها مكنش فاتورة المطعم، كان السنين اللي ضاعت وهي بتحاول ترضي ناس مبيعرفوش يرضوا أبداً.
بقلمي نرمين عادل همام
تمت

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى