قصص قصيرة

مترو آخر الليل كاملة بقلم انجي الخطيب

كنت هقع على أرضية مترو الأنفاق لولا إن الراجل ده لحقني في آخر لحظة قبل ما جسمي يخذلني تمامًا.
والمشهد ماكانش رومانسي زي الروايات ماكانش فيه ورد ولا لمسة ناعمة ولا موسيقى في الخلفية.
كان جوع.
وإرهاق.
وخوف.
وخناقات متكررة مخبية تحت كم جاكيت رخيص في برد نوفمبر.
كنت راجعة بعد شيفتين ورا بعض في مستشفى حكومي بالقصر العيني. عندي تمنية وعشرين سنة، لابسة اسكراب التمريض المكسر، شعري مربوط بسرعة، رجلي وارمة، وبطني فاضية من امبارح تقريبًا.
أكلت نص قرص طعمية الصبح، وقهوة خفيفة العصر.
بس.
مش علشان دايت
علشان مافيش فلوس تكفي آخر الشهر.
كريم كان دايمًا يقول إني ببالغ.
إنتِ شغالة في مستشفى يعني الأكل حواليكي طول الوقت.
وكان بيقول كلام كتير
قبل ما يبدأ يزعق.
وبعد الزعيق
يمسك.
دراعي.
رسغي.
كتفي.
وأحيانًا رقبتي.
دايمًا في أماكن أعرف أغطيها بكم طويل أو شوية ميكب أو سكوت.
كان بيعرف يؤذيني من غير ما يسيب دليل واضح. والأسوأ إنه قدام الناس كان بيبان راجل محترم وابن ناس، بينما أنا أبان مرهقة ومتوترة ومجنونة من ضغط الشغل.
في الليلة دي، ركبت المترو من محطة السادات وأنا حرفيًا مش شايفة قدامي. الزحمة خانقة، صوت البياعين عالي، واحدة شايلة أكياس خضار، وطفل بيعيط من التعب.
مسكت العمود الحديد بإيدي
لكن أول ما المترو هز فجأة، الدنيا لفت بيا.
أطراف الرؤية اسودّت.
معدتي قلبت.
وصوابعي بطلت تستجيب.
فاكرةإني فكرت
يا رب مش هنا مش قدام الناس دي كلها.
لكن رجلي خانتني.
وقبل ما أقع، حد مسكني.
حاسبوا أنا مسكتها.
صوت رجولي هادي وسط الدوشة كلها.
خدي لمس قماش جاكيت تقيل ريحته خشب ومطر وبرفان نضيف. حاولت أبعد وأقول إني بخير زي كل مرة.
أنكر.
أبتسم.
وأكمل.
بس ماقدرتش.
ساعدني أقعد بعد ما واحد اتنازل عن مكانه بالعافية. قاس نبضي بهدوء غريب كأنه دكتور، ولما بصيتله كويس شفت راجل طويل، شعره أسود، دقنه خفيفة، ولابس بدلة غالية من غير كرافتة.
وعينيه
العينين دي ماكانوش بيسيبوا كدبة تعدي.
واقف جنبه راجل تاني ضخم وساكت بطريقة خلتني أعرف فورًا إنه حارس شخصي حتى لو محدش قال.
سامعاني؟
هزيت راسي بالعافية.
عينه نزلت على دراعي.
الكم كان اتحرك.
والعلامات ظهرت.
أربع كدمات بنفسجية مصفرة واضحة جدًا على شكل صوابع.
الراجل سكت فجأة.
مش فضول.
معرفة.
كأنه شاف المنظر ده قبل كده كتير.
مين اللي عمل فيكي كده؟
سرّحت الكم بسرعة.
وقعت في الشغل.
رد فورًا
لأ.
الكلمة نزلت تقيلة جدًا.
لا صوته عالي ولا بيحقق معايا لكن الكدبة ماتت بينا في اللحظة دي.
آخر مرة أكلتي إمتى؟
النهارده.
بصلي من غير كلام.
بلعت ريقي.
والدموع اتحشرت في عيني غصب عني.
امبارح يمكن.
قال حاجة واطية بالإيطالي، بعدها بص للراجل اللي معاه
يا مراد، هات العربية على المحطة الجاية. إحنا نازلين.
اعتدلت بسرعة فاتدوخت تاني.
لا استنى أنا ماعرفكش أصلًا.
سليم المنياوي.
قال اسمه بهدوء لكن الاسم كان معروف.
مجموعة المنياوي.
مطاعم.
فنادق.
شركات مقاولات.
تبرعات.
نفوذ.
وحكايات الناس عنها أكتر من الأخبار نفسها.
لازم أروح البيت.
لكن كلمة البيت قلبت معدتي.
سليم بصلي بنظرة فهمت منها السؤال من غير ما يقوله
هو المكان اللي راجعة له ده بيت فعلًا؟
ماعرفتش أرد.
لأن الرد معناه الاعتراف إن الشقة الصغيرة في فيصل ماعادتش بيت. بقت مكان بقيس فيه مزاج كريم من صوت مفاتيحه، وعدد الكوبايات اللي شربها، وطريقة قفله للباب.
المترو وقف.
سليم ساعدني أنزل.
لا شدني ولا عاملني كأني عاجزة بس كان ماسك توازني وأنا حرفيًا واقفة بالعافية.
اللي بيحصل ده جنان همست.
رد بهدوء
الجنان الحقيقي إن عربية مترو كاملة شافت ممرضة جعانة وعليها آثار ضرب وماحدش سأل.
ماعرفتش أرد.
برا، المطر كان نازل فوق شوارع وسط البلد. عربية سوداء فخمة مستنية، ومراد فتح الباب من غير كلام.
ركبت.
المفروض أخاف.
المفروض أجري.
بس سليم إداني مية، وحط جاكيته على كتفي، وقال
اشربي واحدة واحدة.
كأنه حياتي ليها قيمة من غير ما أحتاج أثبت ده.
إحنا رايحين فين؟
مكان آمن. ودكتورة هتكشف عليكي.
أنا ممرضة مش محتاجة دكتور.
بصلي لأول مرة بابتسامة خفيفة جدًا
الممرضات أسوأ مرضى.
كدت أضحك بس ماعنديش طاقة.
العربية كانت ماشية في شوارع القاهرة المبلولة بالنور والمطر، وأنا ببص لإيدي الرفيعة وأظافري المكسورة والكم اللي مخبي الكدمات.
ليه بتعمل كده معايا؟
سكت شوية.
وبعدين قال
أمي ماتت وهي عايشة مع راجل الكل كان فاكره محترم. محدش صدق إنها كانت بتتعذب غير بعد ما فات الأوان.
الكلام خبطني بعنف.
ده ماعادش مجرد راجل ساعد بنت وقعت في المترو.
ده جرح قديم شاف جرح شبهه.
وصلنا لفيلا ضخمة في الزمالك. هادية من برا، لكن من جوا عالم تاني. أرضيات خشب، ريحة قهوة، حراسة في كل حتة، وهدوء يخوف.
ست كبيرة اسمها الحاجة نعمات استقبلتني ببطانية ونظرة حنان كسرت آخر حاجة متماسكة جوايا.
الدكتورة جات بعد شوية.
ضغط منخفض.
سوء تغذية.
إجهاد حاد.
كدمات متكررة.
كل كلمة كانت بتفضحني أكتر.
بعد ما خلصت، وقف سليم عند الباب مستني إذني يدخل.
تقدري تباتي هنا الليلة. بكرة تقرري تعملي إيه.
كنت عايزة أقول لأ.
عايزة أقنع نفسي إن كريم مش وحش للدرجة.
إنه بيتعصب بس.
إنه هيتغير.
لكن أول ما قفلت عيني شفت إيده وهي بترتفع تاني.
فقلت الجملة اللي عمري ما قلتها بصوت عالي
لو رجعتله هيقتلني يوم من الأيام.
سليم ما استغربش.
بس هز راسه كأن الحقيقة دي كانت موجودة في الأوضة من أول لحظة.
يبقى مش هترجعي.
ليلتها صحيت من النوم وأنا بصرخ.
حلمت بكريم وهو بيزعق، وبيخبطني في الحيطة، وبيسألني كنت فين ومع مين.
سليم ظهر عند الباب لكنه ماقربش.
إنتِ أمان ده كابوس بس.
غطيت وشي وعيطت لأول مرة من شهور.
أنا ماليش مكان أروحله.
لأ ليكي.
معيش فلوس.
دي تتحل.
هو هيدور عليا.
البرود اللي دخل عينيه خلاني أرتعش.
يبقى إحنا نلاقيه الأول.
قشعريرة عدّت في جسمي.
لأن الجملة ماكانش فيها أي رومانسية.
كان فيها خطر.
لسه ماكنتش أعرف مين فعلًا

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى