قصص قصيرة

غدر الزوج صافي هاني

بكل قوة: “ابني دفع الثمن يوم ما اكتشف إن أبوه حرامي. اقفلي يا أستاذة إلهام، وبيننا وبينكم المنصة.” مرت الشهور، وكارميلا وقفت في المحكمة بكل شموخ. ماجد كان واقف في القفص، وشه مكسور، خصوصاً لما القاضي واجهه بالأدلة إن التوقيع تم في وقت كانت فيه كارميلا تحت تأثير أدوية مخدرة قوية لا تسمح لها بالإدراك. القاضي نطق بالحكم: “بطلان كافة العقود والتصرفات الناتجة عن التوكيل الملغى، وحبس المتهم ماجد الدسوقي ثلاث سنوات بتهمة التزوير واستغلال انعدام أهلية المجني عليها مؤقتاً.” وهي خارجة من قاعة المحكمة، شافت ماجد والكلبشات في إيده. بصلها وكأنه بيترجاها، بس هي بصت الناحية التانية، ركبت عربيتها وراحت لـ “ياسين” اللي كان مستنيها في النادي. ياسين جري عليها: “ماما، خلاص مفيش حد هيزعلنا تاني؟” كارميلا شالته ولفّت بيه وهي بتضحك من قلبها لأول مرة: “خلاص يا بطل، إحنا اللي كسبنا.. والشمس طلعت أخيراً.” كارميلا مابقتش بس مستشارة مالية ناجحة، بقت رمز لكل ست بتتعرض للغدر، وعرفت إن القوة مش بس في الفلوس، القوة في إنك تكوني صاحية ومفتحة عينيكي حتى لأقرب الناس ليكي.. لأن الحقيقة دايماً بتبان، حتى لو على لسان طفل صغير عنده سبع سنين. بعد سنتين من الواقعة دي، “كارميلا” كانت قاعدة في مكتبها الجديد اللي أسسته لوحدها، مكتب متخصص في “الاستشارات القانونية والمالية لحماية ممتلكات المرأة”. المكتب
كبر وبقى له اسم ممع في السوق، وبقت هي الملجأ لكل واحدة حاسة إنها بتتعرض لغدر أو استغلال. في يوم، وهي بتراجع ملفات، دخل عليها “ياسين”. طول وبقى أطول، وملامحه بقى فيها ثقة وطمأنينة مكانتش موجودة زمان. ”ماما، أنا خلصت التمرين، ممكن نروح ناكل بره النهاردة؟” كارميلا ابتسمت وقفلت الملف: “طبعاً يا حبيبي، بس بشرط.. إنت اللي هتختار المكان.” وهما ماشيين في الشارع، لمحوا راجل واقف بعيد، هدومه قديمة وشكله باهت ومكسور. كان “ماجد”. خرج من السجن بعد ما قضى مدته، بس خرج ملوش حاجة، لا سمعة ولا فلوس ولا أهل. أول ما عينيه جت في عين كارميلا، وى وشه ومشي بسرعة، مكسور من نظرة القوة اللي في عينيها. ياسين بص له لحظة وبعدين بص لمامته وقال: “ماما، أنا مش زعلان منه.. أنا بس فرحان إننا بقينا أقوى.” كارميلا طبطبت على كتفه: “التسامح يا ياسين مش معناه إننا ننسى، معناه إننا منخليش اللي حصل يوقف حياتنا. إحنا عدينا الصعب، والجميل كله لسه جاي.” في الليلة دي، كارميلا كتبت في مذكراتها جملة واحدة بقت هي شعار حياتها: “أحياناً، الغدر مبيجيش عشان يكسرنا، بيجي عشان يفوقنا، ويورينا إن أغلى حاجة بنملكها مش الفلوس ولا البيوت، لكن هي كرامتنا وقدرتنا إننا نقوم تاني ونحمي اللي بنحبهم.” وقفلت الدفتر وهي حاسة براحة مابعدها راحة، والبيت اللي كان زمان مسرح للمؤامرات، بقى دلوقتى مليان ضحك ودفا، وبقى فعلاً “بيت” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى