
زوجي كان يمزح باسم صديقتي منذ 17 سنة… حتى سألتني ابنتي إن كنت أمًا سيئة
من ليان وجلست على مستواها.
حبيبتي انظري إليّ.
نظرت إليّ وعيناها مبللتان.
قلت
أنتِ لستِ السبب في أي شيء. وأنا أيضًا لست السبب. اتفقنا؟
أومأت ببطء.
يعني أنا مش بنت أم وحشة؟
انكسر صدري.
بكل الهدوء الذي استطعت جمعه.
لا. أنتِ بنت أم تأخرت لكنها استيقظت أخيرًا.
تعلقت ليان بي.
شعرت بتنفسها، وبجسدها الصغير يحاول أن يهدأ قليلًا، كأن الطفل يظل يبحث عن الأمان حتى بعدما يرى أكثر مما يحتمل.
عندما وقفت وهي تمسك يدي، كان محمود ما زال واقفًا، لكنه لم يعد يبدو صاحب البيت ولا صاحب المشهد.
كان يبدو كرجل انكسرت أمامه كل المرايا فجأة.
قال بصوت مختلف
خلاص. كفاية. إنتِ مكبرة الموضوع على حاجة تافهة.
نظرت إليه بشيء قريب من الشفقة.
قريب فقط.
لا يا محمود. أنت كبرت الموضوع سبعة عشر عامًا. وأنا فقط قررت ألا أكنسه تحت السجادة مرة أخرى.
إنتِ بتبالغي.
لا. أنا تأخرت كثيرًا.
وقفت والدته.
أنا هاخد الناس برّه شوية.
كانت هذه طريقتها في قول هذا لم يعد شيئًا يمكن تغطيته.
خرج نصف الضيوف بتلك السرعة الصامتة التي يتحرك بها الناس عندما يفهمون أنهم شهدوا شيئًا خاصًا وثقيلًا.
لا أحد ودّع بصوت واضح.
لا أحد علّق.
فقط تفرقوا ببطء، يحملون أكوابهم وأطباقهم، بينما كانت الحفلة تتفكك حولنا كديكور رخيص.
بقينا نحن فقط.
محمود.
أنا.
ليان.
سارة.
أحمد.
والحقيقة التي لم يعد لها مكان تختبئ فيه.
مرر محمود يده على وجهه.
عايزة إيه يعني؟ أعتذر لك قدام الناس؟ هو ده اللي يريحك؟
تنفس أحمد بضيق.
أنت فعلًا مش فاهم.
هززت رأسي.
لا أريد اعتذارًا أمام الناس. أريدك أن تفهم شيئًا بينك وبين نفسك، حتى لو كان متأخرًا. ما فعلته لم يكن دعابة. كان قسوة مستمرة.
فتح ذراعيه بضيق.
يا سلام! كل الأزواج بيهزروامع بعض.
ليس هكذا.
لا تبالغي.
قلت
تبالغ؟ أنت جعلت ابنتنا تسأل إن كانت أمها لا تستحق. زرعت الفكرة داخلها بمزحاتك. والآن تريد مني أن أصغر الأمر حتى لا تشعر أنت بالضيق.
لأول مرة، لم يجد محمود ردًا سريعًا.
تنفس بقوة.
بثقل.
تقدم أحمد خطوة.
سأقول لك شيئًا حتى لو لم تطلبه. أنا أعرفك من أيام الجامعة يا محمود. رأيتك تخطئ، وتغضب، وتقول كلامًا فارغًا، وتتعثر ثم تقف. لكنني لم أرك صغيرًا كما رأيتك الليلة.
التفت محمود إليه بغضب.
وإنت فاكر نفسك كامل؟
ثبت أحمد مكانه.
لا. أنا فقط لم أحتج يومًا أن أضحك على المرأة التي أقول إنني أحبها حتى أشعر أنني رجل.
عندها، رأيت أن محمود أراد أن يمد يده عليه.
رأيت ذلك في كتفيه.
في حركة ذراعه.
في عينيه.
لكنه لم يفعل.
ربما لأنه عرف أن الأمر حينها لن يكون له تفسير.
وربما لأنه فهم أن هذا سيكون الدليل الأخير على كل شيء.
اختبأت ليان خلفي.
وكان ذلك كافيًا.
قلت
إحنا ماشيين.
نظر إليّ محمود بعدم تصديق.
رايحين فين؟
إلى مكان لا نسمعك فيه.
مش هتخرجي كده من بيتي ببنتي.
ضحكت ضحكة قصيرة، مرة، وحرة.
بيتك؟ غريب. القسط يُدفع من مرتبي أيضًا. واجبات ليان أتابعها أنا. مواعيد الأطباء أحددها أنا. المدرسة أذهب إليها أنا. ملابسها النظيفة تظهر لأنني أغسلها أو أرسلها للغسيل. لكن عندما يحين وقت الإهانة، يصبح كل شيء بيتك وسفرتك وعائلتك.
شد فكه.
مش هتاخديها.
ذهبت سارة وأحضرت حقيبة ليان دون أن أسألها.
وأخذ أحمد مفاتيح السيارة من على الطاولة ووضعها في يدي.
قال
أنا أسوق.
نظر إليه محمود كأنه طعنه.
لا تجرؤ.
لم يرد أحمد.
اقتربت من الكونسول عند المدخل، أخذت جاكيتًا لليان، ثم نظرت إلى محمود مرة أخيرة قبل أن أخرج.
قلت
ما سيحدث بعد ذلك يعتمد عليك.لو أردت غدًا أن تقول إن كل هذا بسبب مزحة، فستبقى وحدك مع رجال جبناء يشبهونك ويصفقون لك. ولو أردت أن تفهم حقًا ماذا كسرت، فسوف تضطر لأول مرة في حياتك أن تسمع دون أن تحول الكلام إلى سخرية.
بقي ثابتًا مكانه.
رأيته يبحث عن جملة جارحة أخيرة.
جملة يستعيد بها السيطرة.
لكنه لم يجد.
لأن المرأة عندما تكف عن الخوف، يبدأ كلام من يؤذيها في الظهور مكررًا وباهتًا.
خرجنا.
كانت ليان صامتة في المقعد الخلفي، دميتها.
سارة تنظر من النافذة.
وأحمد يقود دون أن يشغل أي موسيقى.
أما أنا فوضعت يديّ فوق ركبتي، وبدأت أشعر لأول مرة بالارتجاف الكامل لما فعلته.
لم أبكِ.
ليس بعد.
وصلنا إلى شقة سارة، التي كانت تعيش وحدها منذ عامين بعدما أنهت علاقة مع رجل كان يخلط بين الاهتمام والسيطرة.
حضّرت لنا الشاي.
وضعت بطانية على ليان.
تركت لي غرفتها.
وبقيت في الصالة مع أحمد بعد الثانية صباحًا، يتحدثان بصوت منخفض عن أشياء لم أسمعها.
لكنني سمعت شيئًا آخر.
صوت ابنتي، وهي نصف نائمة، تسألني في الظلام
إنتِ دافعتِ عني المرة دي، صح؟
استلقيت بجانبها .
نعم.
قالت
شكرًا يا ماما.
وهنا بكيت.
دون صوت.
لم يكن بكاء حزن فقط.
كان بكاء امرأة وصلت أخيرًا إلى المكان الذي يتحول فيه الألم من عار إلى اتجاه.
جاء الصباح ومعه ثلاث وأربعون مكالمة فائتة.
محمود.
والدته.
اثنان من أقاربه.
وخالة له.
وثلاث رسائل صوتية.
رسالة طويلة منه بدأها بطلب الكلام، وأنهاها باتهامي بأنني أهنتُه أمام الجميع.
لم أرد.
حضّرت الفطور لليان في مطبخ سارة.
توست.
شرائح موز.
وكوب لبن بالكاكاو، لأن ذلك الصباح كان يحتاج إلى هدن صغيرة.
عرض أحمد أن يأخذنا إلى البيت لنحضر بعض الملابس عندما يخرج محمود إلى العمل.
لكن محمود لم يذهبإلى العمل.
جاء يبحث عني في الواحدة ظهرًا.
طرق باب شقة سارة كأنه ما زال يملك حق الأمر.
فتح أحمد الباب.
رأيته من الصالة.
دخل محمود دون إذن، شعره غير مرتب، وعيناه متعبتان، ويرتدي القميص الأسود نفسه من الليلة السابقة.
لم يكن غاضبًا كما كان.
كان أخطر قليلًا، ربما لأنه جاء من ذلك المكان الذي يظن فيه بعض الرجال أن حديثًا خاصًا يستطيع محو ما حدث أمام الناس.
قال
محتاج أتكلم مع مراتي.
وقفت سارة وضمّت ذراعيها.
هنا لا تأتي لتأمر أحدًا.
تجاهلها.
اسمعيني.
وقفت.
اتكلم.
قال
لوحدنا.
لا.
شد أسنانه.
هتصعّبيها عليّ؟
لم أستطع منع نفسي من قول حقيقة واضحة
أنا بقالي سبعة عشر سنة بسهّلها عليك.
أخرج أحمد نفسًا من أنفه، كأنه كاد يضحك ثم منع نفسه.
نظر إليّ محمود بغضب متعب.
طيب. آسف. خلاص؟ آسف. زودتها. بس إنك تمشي وتاخديها وتعملي كل ده ده كتير.
قلت
لا. الكثير كان ما سبق.
أنتِ بتكرري نفس الكلام.
لأنك لا تفهم غيره.
مرر يده في شعره.
بصي، أنا معترف إني غلطت. بس ما ينفعش تكسري بيت بسبب تعليقات.
تكلمت سارة ببرود لم أسمعه منها من قبل
هي لا تكسره بسبب تعليقات. هي توقفت فقط عن حمله وحدها.
التفت إليها.
إنتِ اسكتي. من البداية وإنتِ بتحبي تدخلي.
ابتسمت سارة بلا مرح.
يا ريت. الذي كنت أحبه هو أن أطلب منك أن تحترمها، وأكتشف كل مرة أنك غير قادر.
تقدمت خطوة.
محمود، الموضوع لم يعد عن سارة.
قال بسرعة
طبعًا عن سارة. إنتِ طول عمرك
قاطعته
لا. الموضوع عني. وعن ليان. أنت أدخلتها في هذا. أنت علمتها أن حب الرجل يأتي ومعه إهانة. وأنا لن أتركها تكبر وهي تصدق ذلك.
نظر نحو الممر حيث كانت ليان جالسة على الأرض، معها كراسة وألوان.
خفض صوته.
أقدر أتغير.
بقيت الجملة معلقة.
نظرت إليهبصمت.
ولأول مرة منذ زمن طويل، لم أحاول إكمال ما لم يقله.
لم أساعده.
لم أفسره.
لم ألطّفه.
قلت
ربما. لكنني لن أبقى هنا أنتظر لأرى إن كان ذلك صحيحًا.
آلمته الجملة أكثر من كل





