قصص قصيرة

اشعار تاني حكايات اسما 

ثم جاءت رسالة من رقم أم كتبته قبل كده بحدة ضده:
“أنا آسفة على كلامي امبارح. بنتي قالتلي حاجة النهارده خوفتني.”
بعدها رسالة ثانية:
“ابني كان مع داليا من ٣ سنين. ممكن نتكلم؟”
ثم ثالثة:
“من فضلك ما تقولش اسمي. بس عندي تسجيل صوتي لبنتي وهي بتحكي.”
ثم رابعة.
ثم خامسة.
وخلال ساعة واحدة، كان موبايل كريم لا يتوقف عن الاهتزاز.
كل رسالة كانت وجع جديد.
طفل اتحبس في الفصل وقت الفسحة.
طفلة اتقال لها إنها غبية قدام زميلاتها.
ولد اتشد من ودنه لحد ما احمرّت.
بنت بقت ترفض الأكل قبل المدرسة.
أم اشتكت، فتم اتهامها إنها بتدلل بنتها زيادة.
أب طلب كاميرات، فقيل له إن السيستم كان واقع في اليوم ده.
كريم كان بيقرأ والدم بيغلي في عروقه.
الأبلة داليا ماكنتش غلطة فردية.
دي كانت سنوات من الخوف… متغطية بورق رسمي وابتسامات هادية.
في اليوم التالي، اتفق مع خمس أمهات وثلاثة آباء يقابلوه في شقة واحدة منهم بعيد عن المدرسة. راح ومعاه نسخة من الفيديو القديم، وتقرير طبي مبدئي لكدمات ملك، وصورة الرسائل.
كان اللقاء متوتر. كل واحد داخل خايف يبص للتاني. كلهم ناس محترمة، لابسين كويس، من عائلات قادرة تدفع مصاريف مدرسة خاصة، لكن الخوف عامل فيهم اللي الفقر مايعرفش يعمله: مخليهم ساكتين.
أول واحدة اتكلمت كانت أم اسمها رانيا.
— بنتي هنا كانت بترجع تقول إن الأبلة داليا بتخليها تقف في الركن وتقول لها: “العيال الشاطرة بس اللي تستاهل تتحب.” افتكرت بنتي بتبالغ. لحد ما بقت تقطع في شعرها وهي نايمة.
أب اسمه شريف قال:
— ابني يونس كان بيترعش أول ما يشوف بوابة المدرسة. ولما اشتكيت، قالولي محتاج أوديه دكتور تعديل سلوك.
أم تانية، نهى، طلعت موبايلها.
— أنا سجلت لبنتي من غير ما تعرف. كانت بتحكي لأختي. اسمعوا.
شغلت التسجيل.
صوت طفلة صغير، مبحوح من العياط:
“هي قالتلي لو قولتي لماما هخلي كل الفصل يكرهك.”
سكتت الأوضة كلها.
كريم حس إن روحه بتتسحب.
واحدة من الأمهات بدأت تعيط.
— إحنا سكتنا ليه؟
محدش رد.
لأن الإجابة كانت موجعة: لأنهم صدقوا المدرسة أكتر من خوف عيالهم. لأنهم خافوا من الفضيحة. لأنهم افتكروا إن المدرسة الغالية لا يمكن تكون قاسية. لأن المديرة كانت بتعرف تقول كل الكلام الصح.
كريم وقف وقال:
— السكوت خلّى كل طفل فيهم يفتكر إنه لوحده. أنا مش بلوم حد. أنا كمان كنت ممكن أتردد لو ملك ماورتنيش الكدمة. بس دلوقتي عندنا فرصة. مش هنواجههم واحد واحد. هنقدم بلاغ جماعي. وهنعمل محامي. وهنطلب رسميًا حفظ تسجيلات الكاميرات قبل ما تختفي.
شريف قال بتوتر:
— ولو اتهمونا بالتشهير؟
— عشان كده لازم نمشي قانوني. شهادات، تقارير، بلاغات، أخصائيين نفسيين. وكل حاجة بتواريخ.
رانيا مسحت دموعها.
— وأنا أعرف محامية شاطرة في قضايا المدارس. اسمها نادين فاروق.
في نفس الليلة، كانوا قاعدين في مكتب نادين.
امرأة في أواخر الثلاثينات، صارمة الملامح، كلامها قليل، لكنها كانت بتسمع بعينين مركزتين. بعد ما خلصوا، رتبت الأوراق قدامها وقالت:
— أول حاجة، ممنوع أي منشور اتهامي مباشر على السوشيال ميديا دلوقتي. هم مستنيين غلطة منكم. ثاني حاجة، كل طفل يتعرض على أخصائي نفسي مستقل، وتقرير طبي لو فيه آثار جسدية. ثالث حاجة، هنقدم بلاغ جماعي ونطلب من النيابة التحفظ على تسجيلات الكاميرات وسجلات الشكاوى الداخلية. رابع حاجة، هنخاطب الإدارة التعليمية رسميًا.
كريم سأل:
— والفيديو القديم؟
نادين أخذت الفلاشة.
— مهم. حتى لو قديم، يثبت نمط سلوك. لكن لازم نجيب مصدره أو على الأقل نحميه بشكل قانوني.
— مصدره صعب يتكلم.
— يبقى نحميه الأول.
بصت لهم كلهم وقالت:
— بس لازم تكونوا مستعدين. المدرسة هتحارب. هتطلع بيان. هتشكك في الأطفال. هتشكك فيكم. ممكن يهددوكم. ممكن يحاولوا يشتروا سكوت بعضكم. اللي هيكمل لازم يبقى فاهم إن الطريق مش يومين.
كريم بص لصورة ملك على شاشة موبايله.
— أنا مكمل.
واحدة ورا التانية، الأمهات والآباء قالوا نفس الجملة.
“مكملين.”
لكن في اليوم التالي مباشرة، بدأت الحرب.
الصبح، انتشر في جروب المدرسة بيان جديد:
“تؤكد مدرسة النيل الدولية احتفاظها بحقها القانوني ضد كل من يروج اتهامات كاذبة تمس سمعة المؤسسة والعاملين بها، ونهيب بأولياء الأمور عدم الانسياق خلف حملات شخصية يقودها بعض الأطراف لأسباب غير معلومة.”
بعدها بساعة، اتصلت شركة كريم به.
المدير طلب يقابله.
دخل كريم المكتب وهو حاسس إن في حاجة غلط.
مديره، أستاذ طارق، كان قاعد ووشه متوتر.
— كريم، في شكوى وصلت للإدارة.
— شكوى إيه؟
— حد بعت إيميل بيقول إنك بتستخدم وقت الشغل وموارد الشركة في حملة تشهير ضد مدرسة خاصة.
كريم اتصدم.
— ده كذب.
— أنا عارفك، بس الموضوع حساس. الإيميل فيه سكرينشوتس من رسائل واتساب.
قلب كريم نط.
— رسائل خاصة؟
— واضح إن حد من الجروب سربها.
خرج كريم من المكتب وهو حاسس إن الأرض بتتهز تحته. هم مش بس بيراقبوه… هم دخلوا الدائرة اللي حواليه.
اتصل بنادين فورًا.
قالت له:
— ماتردش على أي استفزاز. ابعتلي نسخة من الإيميل. وابدأ احتفظ بكل تهديد أو ضغط يحصل.
لكن الضربة الأصعب ماكانتوش عارفين إنها جاية.
بعد الظهر، وهو راجع البيت، لقى أم خالد مستنياه على السلم ووشها مخطوف.
— الحق ملك.
جري كريم وهو قلبه بيخبط.
دخل الشقة لقى ملك قاعدة في الركن، حاضنة نفسها، وبتبص للحيطة. جنبها ورقة مرمية على الأرض.
أخذ الورقة.
كانت رسمة طفل. مرسومة بقلم رصاص مهزوز. بنت صغيرة واقفة في فصل فاضي، وست طويلة ماسكة ذراعها. وفوقهم عين كبيرة مرسومة في السقف.
سألها بصوت مكسور:
— مين دي يا ملك؟
بصت له بعينين فاضية.
— دي الكاميرا يا بابا.
اتجمد.
— الكاميرا؟
هزت رأسها.
— الأبلة كانت بتبص للكاميرا وتضحك… وبعدين تاخدني عند الدولاب. قالتلي الكاميرا مش بتشوف هنا.
شعر كريم إن الدم انسحب من جسمه.
ركع قدامها.
— عند أي دولاب يا حبيبتي؟
رفعت إيدها الصغيرة ورسمت في الهوا.
— الدولاب اللي جنب لوحة الحروف… هي كانت تخليني أقف هناك.
كل حاجة اتغيرت في لحظة.
دي مش بس كاميرات مرفوضة.
دي منطقة عمياء. مكان داليا عارفاه وبتستخدمه.
اتصل بنادين فورًا، صوته كان بيرتعش من الغضب.
— ملك افتكرت مكان. في الفصل فيه دولاب جنب لوحة الحروف. قالت إن الكاميرا مش بتشوف هناك.
نادين سكتت ثانية ثم قالت:
— مهم جدًا. هنطلب معاينة للفصل. بس لازم نتحرك بسرعة قبل ما يغيروا ترتيب المكان.
لكن المدرسة كانت أسرع.
في صباح اليوم التالي، واحدة من الأمهات بعتت صورة من داخل الفصل، كانت أخدتها من صفحة المدرسة بعد نشاط صباحي.
الدولاب اختفى.
لوحة الحروف اتنقلت.
والفصل كله اتعاد ترتيبه.
كريم حس إنه مش قادر يتنفس.
بعت الصورة لنادين.
ردت:
“ممتاز. دي مش خسارة. دي غلطة منهم. عندنا صور قديمة للفصل؟”
بدأ الأهالي يدوروا في صور الحفلات والأنشطة القديمة. خلال ساعات، لقوا عشرات الصور على صفحة المدرسة القديمة: نفس الدولاب، نفس لوحة الحروف، نفس الزاوية.
نادين قالت:
— كده عندنا قبل وبعد. تغيير مسرح الواقعة بعد الشكوى. ده مهم.
لكن في نفس اليوم، حصل شيء قلب الموازين كلها.
اتصل ياسين بكريم.
صوته كان مضطرب.
— في حد لازم تقابله.
— مين؟
— عم صبحي. فرد أمن سابق في المدرسة. هو اللي اداني الفيديو.
— يقدر يشهد؟
— كان رافض. بس لما عرف إن في أطفال تانية، قال يمكن يتكلم.
قابلوه في مسجد صغير بعد صلاة العشاء. رجل في أواخر الخمسينات، بسيط، وشه متعب، وإيديه بتترعش. كان بيبص حواليه كل دقيقة.
قال عم صبحي:
— أنا اشتغلت هناك سبع سنين. شوفت حاجات كتير وسكت. ربنا يسامحني.
كريم قال بهدوء:
— إحنا محتاجين الحقيقة.
عم صبحي مسح على وشه.
— الأبلة داليا كانت دايمًا تاخد العيال عند ركن معين في الفصل. الكاميرا فعلا ماكانتشي جايبة الركن ده. كنا عارفين. الإدارة كانت عارفة. وفي مرة شفت بعيني طفل خارج بيعيط ودراعه أحمر. بلغت المشرف، قالي: “خليك في شغلك.”
— عندك دليل؟
عم صبحي بصله ثم طلع موبايل قديم.
— عندي تسجيلات صوت. مش من الفصل. من أوضة الأمن. مرة المديرة قالت بالنص: “أي شكوى على داليا تتقفل قبل ما تطلع بره.” وأنا سجلت علشان كنت خايف يشيلوني الليلة.
كريم حس إن قلبه رجع يدق بقوة.
— تقدر تسلم ده للمحامية؟
عم صبحي تردد.
— لو اسمي ظهر… هيأذوني.
ياسين حط إيده على كتفه.
— إحنا هنحميك.
عم صبحي ضحك بحزن.
— أنا غلبان يا أستاذ. مفيش حد بيحمي الغلبان.
كريم قال بثبات:
— المرة دي مش هتبقى لوحدك.
وفي اليوم التالي، قُدم البلاغ الجماعي.
ثمانية أطفال. ثماني أسر. تقارير نفسية أولية. صور كدمات. تسجيلات. فيديو قديم. شهادة مبدئية من فرد أمن سابق. صور تثبت تغيير ترتيب الفصل بعد الشكوى.
ولأول مرة… المدرسة ماعرفتش ترد بابتسامة.
بعد تقديم البلاغ بساعات، اتصلت النيابة بطلب رسمي للتحفظ على تسجيلات الكاميرات الخاصة بفصل داليا والممرات خلال الأيام المذكورة.
لما وصل الطلب للمدرسة، حاولت الإدارة التماسك.
لكن موظف صغير في قسم الـ IT، اسمه حسام، كان عنده ضمير لسه صاحي.
لما شاف أمر التحفظ، خاف إنهم يطلبوا منه يمسح حاجة. وفي آخر اليوم، قبل ما يقفل الجهاز، نسخ ملف كامل على هارد صغير وخباه في شنطته.
لم يكن حسام يعرف كريم. ولم يكن يعرف ملك. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: في الأسبوع الماضي، طلبت منه المديرة حذف جزء من تسجيل ممر الدور الأرضي بحجة “خلل تقني”.
وفي تلك الليلة، حسام لم يذهب لبيته مباشرة.
ذهب إلى مكتب المحامية نادين فاروق.
وقف أمامها، شاحبًا، وقال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى