قصص قصيرة

٦ دكاترة

أربعة وثلاثون عاماً، وقسم الأطفال في المستشفى يحتفظ برائحته المميزة؛ مزيج من مطهر الأسطح اللطيف، والشاي الدافئ الذي تحضره رئيسة الممرضات في كوبها الزجاجي القديم، وصوت خطوات الأمهات على بلاط الممر الطويل. في هذا الركن الهادئ من القاهرة، كانت الحياة تكشف عن تفاصيلها الصغيرة كل يوم، بعيداً عن صخب المدينة في الخارج.

نور أحمد لم تكن تتخيل أن أسبوعها الأول في هذا القسم سيمتلئ بكل هذه المشاعر المتناقضة. كانت قد أتمت عامها الثاني والعشرين بعد تخرجها بفترة قصيرة، وكانت لا تزال تحفظ أماكن الأدوات ببطء، وتستدل على مكاتب زملائها بألوان الترموسات الخاصة بهم. لكنها كانت تمتلك موهبة نادرة لا تدرس في الكتب: القدرة على الإنصات للجسد حين يعجز صاحبه عن التعبير.

على السرير رقم اثني عشر، كانت ملك تجلس باسترخاء خفيف، وبجوارها وضعت والدتها، سلمى، حذاءً رياضياً وردياً جديداً اشتريته قبل أيام، وكأنها تنتظر بفارغ الصبر اللحظة التي سترتديه فيها ابنتها لتعود للمنزل. ملك في الثانية عشرة من عمرها، ذات عيون واسعة يملؤها الفضول رغم التعب، وقد حضرت إلى المستشفى إثر إصابة عرضية في ركبتها اليمنى خلال مباراة كرة قدم مدرسية.

ستة أطباء مختلفين مروا على الحالة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. أخذوا صور الأشعة، وفحصوا حركة المفصل، وكل التقارير أجمعت على نقطة واحدة واضحة: لا توجد كسور، المفصل مستقر، والحالة تطمئن تماماً لخروج المريض إلى المنزل.

اقترب الدكتور أحمد سالم، استشاري الجراحة الشاب الذي يُعرف بدقته وحزمه الإداري، ووقف عند طرف السرير، ممسكاً بأوراق المغادرة. قال بصوت عملي وهادئ:

“كل شيء جاهز يا أم سلمى. الأشعة سليمة، ويمكنكم المغادرة متى شئتم. فقط اتبعي تعليمات الكمادات الباردة والراحة التامة لمدة أسبوع.”

تنفسفت سلمى الصعداء وابتسمت لابتنة ملك التي بدت سعيدة بفكرة العودة لسريرها في البيت. لكن نور، التي كانت تقف بهدوء بجانب الستارة الفاصلة، لاحظت شيئاً جعل قدمها تسمر في الأرض. كانت ملك تحاول تعديل وضعية رجلها ببطء، وفي كل مرة يقترب مفصل الركبة من وضع الانبساط الكامل، كانت ملامح الطفلة تنقبض بألم صامت، وكأنها تحاول إخفاءه كي لا تعطل إجراءات الخروج.

انتظرت نور حتى غادر الدكتور أحمد الغرفة نحو ممر الطوارئ، ثم اقتربت بخطوات بطيئة من السرير. جلست على قرفصاء خفيفة لتكون في مستوى عيون الطفلة، وقالت بصوت دافئ يبعث على الأمان:

“ملك.. حبيبتي، هل الوجع هنا في مكان الخبطة بس، ولا حاسة بحاجة تانية؟”
نظرت الطفلة إلى أمها ثم إلى نور، وقالت بصوت منخفض: “الوجع بيتحرك يا أبله نور.. كأنه بينزل لتحت، زي ما تكون النار ماشية جوه رجلي.”

مدت نور يدها بحذر شديد، ودون أن تضغط، لمست ظهر قدم ملك اليمنى، ثم قارنتها باليسرى. كانت القدم اليمنى باردة بشكل ملحوظ مقارنة باليسرى. رفعت عينيها نحو سلمى التي كانت تمسك بالحذاء الوردي بين يديها بتوتر، وقالت نور بحسم لطيف:

“أستاذة سلمى، دقيقة واحدة من فضلك.”

ذهبت نور بخطوات سريعة نحو مكتب الطاقم الطبي، وأحضرت جهاز “الدوبلر” الصغير الخاص بقياس تدفق الدم بالأمواج الصوتية، والذي يُستخدم عادة في الحالات التي تتطلب اطمئناناً دقيقاً على الأوعية الدموية الدقيقة. عادت إلى الغرفة، وطلبت من ملك أن تسترخي تماماً في الوضع الذي يريحها، ثم وضعت المسبار بحنان على الساق اليمنى.

الصوت الذي خرج من الجهاز لم يكن منتظماً بالشكل الكافي. النبض كان ضعيفاً للغاية، والفرق بين الساقين بات واضحاً لا يقبل الشك. في تلك اللحظة بالضبط، عاد الدكتور أحمد ممرتاً بيده على ملفات المتابعة. طالعته نور بنظرة هادئة لكنها حاسمة:

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى