قصص قصيرة

وصيـة أمـي ج 1 بقـلم زهـرة الربيـع

الفصل الثاني: عاصفة في بيت هادئ
ساد صمت مفاجئ في ممر البنك ذي الأرضية الرخامية اللامعة. تلاقت الأعين؛ عينا الموظف الشاب خلف الزجاج، الذي كان يمسك بالقلم وينظر إلينا بوجل وتردد، وعينا أحمد التي كانت تلمع خلف نظارته السوداء ذات الإطار السميك بنظرة لم أرها فيه من قبل. لم تكن نظرة المدرس الهادئ الذي يزن كلماته بميزان من ذهب، بل كانت نظرة رجل يفرض سيطرته كأمر واقع، مستنداً إلى وجود أمه التي كانت تقف خلفه مباشرة، بعباءتها السوداء الفضفاضة وذراعيها المكتوفتين، وتلك الابتسامة الباردة المرتسمة على وجهها ذي التجاعيد التي تفضح سنها رغم محاولاتها اليائسة لإخفائه صبغة شعرها الداكنة.
شعرت ببرودة شديدة تسري في أطرافي، كأنني عدت فجأة إلى تلك الليلة في شهر طوبة حين كان أحمد يقف تحت نافذتي في البرد الشديد، لكن البرد هذه المرة لم يكن في الشارع، بل كان ينبعث من عيني زوجي نفسه. تذكرت غصة أمي في حلقها وهي على فراش الموت، وصوت أنفاسها المتهدجة بسبب المرض اللعين وهي توصيني: “ماتتمدش إيدك عليها لحد.. لا إنتي ولا غيرك يلمسها”.
بلعت ريقي بصعوبة، ونظرت إلى موظف البنك الذي بادر قائلاً بنبرة مهذبة ومحايدة:
— “يا فندم.. الأوراق جاهزة على التوقيع لربط الشهادة الثلاثية بـ 350 ألف جنيه. هل حضرتك موافقة، ولا في تغيير في القرار زي ما الأستاذ بيقول؟”
قبل أن أنطق، اقترب أحمد خطوة إضافية، ووضع يده على كتفي بضغط خفيف لم يلحظه الموظف، لكنه كان يحمل رسالة تحذير واضحة لي. قال بصوته الرخيم الهادئ الذي يعتلي منبر التدريس عادة:
— “معلش يا أستاذ شريف، إحنا بس حصل بيننا سوء تفاهم بسيط بره. أنا وجوزها وأدري بمصلحتها، والفلوس دي إحنا محتاجينها في أمر طارئ يخص مستقبلنا. اتفضلي يا فريدة معايا عشان نتكلم بره البنك.”
نظرت إلى يده المستقرة على كتفي، ثم رفعت عيني إليه. تذكرت كيف كانت هذه اليد تمسك بيدي في الشتاء لتدفئها، وكيف كانت تتصفح أشعة أمي الطبية بلهفة وخوف مصطنعين. هل كان كل ذلك تمثيلاً؟ هل كان يهتم بي فقط لأنه يعلم أن أمي مريضة بالسرطان وأنها في أيامها الأخيرة وستترك وراءها “تحويشة العمر”؟
أزحت يده عن كتفي ببطء ولكن بحسم. نظرت إلى الموظف مباشرة وتجاهلت وجود أحمد وحماتي تماماً.
— “لا يا أستاذ شريف. كمل الإجراءات لو سمحت. أنا هربط الشهادة حالاً باسمي، ومش هسحب مليم واحد.”
اتسعت عينا الموظف قليلاً، ثم بدأ يكتب بسرعة على لوحة المفاتيح وكأنه يريد إنهاء هذا الموقف المحرج بأسرع وقت. في تلك اللحظة، تدحرجت حماتي خطوة إلى الأمام، وصدرت منها شهقة عالية باللغة البحراوية الثقيلة:
— “يا خيبتك يا أحمد! يا خيبتك في رجولتك يا ضنايا! واقف زي الألف ومرتك بتكسر كلمتك قدام الغريب وعاملة لك قيمة صُغيرة وسط الناس؟”
ارتجف كتف أحمد، واحمرت وجنتاه من الغضب والإحراج. لم يكن معتاداً على أن تكسر كلمته، خاصة أمام أمه التي طالما زرعت فيه أنه “سيد البيت” ومحور الكون. انحنى عليّ وشوشني بنبرة حادة كالشفرة:
— “فريدة.. لو وقعتِ على الورق ده، مش هتعرفي تدخلي بيتي تاني. فكري كويس قبل ما تضيعي بيتك وعشرتنا عشان قرشين.”
كان تهديداً صريحاً. شعرت بقلبي يعتصر ألماً. بيتنا؟ الدفء الذي كنت أبحث عنه؟ العشرة التي قالت لي أمي إنها تهون الأيام؟ هل يساومني على كل هذا مقابل أموال أمي؟
نظرت إلى الورقة الموضوعة أمامي على مكتب الموظف. تذكرت وجه أمي الشاحب، وعينيها الحادتين الحاسمتين في لحظاتها الأخيرة. كانتا تقولان لي: “كوني قوية يا بنتي، الزمان ملوش أمان، والقرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود”.
أمسكت بالقلم، ولم تتردد يدي وهي تكتب توقيعي الثلاثي بخط واضح وقوي أسفل استمارة ربط الشهادة.
أخذ الموظف الورقة بسرعة وقال: “تمام يا فندم، تم ربط الشهادة بنجاح، ودي الإيصالات الرسمية. تقدري تستلمي الأرباح شهرياً من الماكينة.”
أخذت الإيصالات، ووضعتها في حقيبتي ببطء وهدوء مصطنع، بينما كان أحمد ينظر إليّ بنظرات برود قاتلة، وحماتي تبرطم بكلمات غير مفهومة وتضرب كفاً بكف. التفتُّ إليهما وقلت بصوت مسموع:
— “يلا بينا نروح.”
كانت الرحلة في طريق العودة إلى الشقة أشبه بمسيرة جنائزية. لم يتكلم أحمد بكلمة واحدة. كان يقود سيارته القديمة بعصبية، يضغط على المكابح بقوة ويتجاوز السيارات بتهور لم أعهده فيه. في الخلف، كانت حماتي تتنهد بصوت مرتفع، وتدعو الله بعبارات مبطنة تعني بها عقوق الزوجات وخراب البيوت: “يا رب فرجها على ابني.. يا رب اكفيه شر طمع النفوس وقلة الأصول”.
كنت أنظر من النافذة إلى شوارع القاهرة المزدحمة، وأتساءل كيف يمكن للحب والدفء أن يتبخرا بهذه السرعة؟ أين ذهب ذلك المدرس الذي وقف ساعتين في البرد القارس ممسكاً بوردة بلدي؟ هل كان البرد الذي تحمله يومها مجرد استثمار للوصول إلى هذا اليوم؟
بمجرد أن خطت أقدامنا عتبة الشقة، أغلق أحمد الباب بقوة كادت تقتلع القفل من مكانه. التفت إليّ، ونزع نظارته الطبية السوداء بعنف والقاها على الطاولة البيضاء في الصالة. بدت عيناه بدونهما ضيقتين وقاسيتين.
— “ممكن أفهم إيه اللي حصل في البنك ده؟ إنتي بتصغريني قدام أمي وقدام الغريب؟ أنا شغال مدرس إعدادي طول النهار والليل عشان أوفر لك لقمة العيش، ويوم ما أطلب منك نقف جنب بعض ونعمل مشروع يأمن مستقبلنا ومستقبل عيالنا اللي لسه مجوش، تروحي تعملي كدة؟”
وقفت أمامه في منتصف الصالة، وحقيبتي ما زالت معلقة على كتفي.
— “المشروع اللي بتتكلم عنه يا أحمد ده مشروع زميلك اللي اتفصل، وإنت متعرفش عنه حاجة. وبعدين دي وصية أمي! أمي ماتت وهي بتقولي الفلوس دي متنمسش. دي تحويشة عمرها اللي شقيت فيها في الخياطة ليل ونهار بعد ما أبويا سابنا. إنت عايزني أخون وصيتها وهي لسه مكملتش شهور تحت التراب؟”
تدخلت حماتي فوراً، ودخلت الصالة وهي تحل شالها الأسود عن رأسها بعصبية:
— “وصية إيه وكلام فارغ إيه يا بنتي؟ الحي أبقى من الميت! وبعدين إيه اللي يضمن لنا إن الفلوس دي تفضل متشالة؟ ما بكره بعده تحتاجوا قرشين، ولا أحمد يتزنق في قسط الشقة، هتسيبيه يتحبس عشان خاطر وصية؟ الراجل ومراته مالهمش إلا بعض، وفلوسك هي فلوسه، والشهامة بتقول كدة!”
نظرت إليها وقلت بنبرة حاولت أن تكون هادئة ومحترمة رغم الغليان الذي بداخلي:
— “يا ماما، الفلوس دي أمان لينا كلنا في البنك. أرباحها هتدخل كل شهر وتساعدنا في مصاريف البيت، وده أحسن بكتير من إنا نغامر بيها في مشروع إحنا مش فاهمين فيه ونخسر كل حاجة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى