
وصيـة أمـي ج 1 بقـلم زهـرة الربيـع
في تلك الليلة، لم يزر النوم جفني. كانت الساعات تمر كأنها دهور، وصوت عقارب الساعة الجدارية في غرفتي يطرق في رأسي كالمطرقة. جلست على حافة السرير والظلام يلف أركان الغرفة، بينما كان عقلي يغلي كمرجل من الأفكار والمشاعر المتضاربة. نظرت إلى يدي العاريتين، وشعرت بوحشة شديدة؛ فالغويشتان اللتان كانتا تلتفان حول معصمي وتمنحاني شعوراً خفياً بالأمان والاتصال بجدتي وأمي، قد سُرقتا. ولم تكن السرقة من غريب اقتحم الدار ليلاً، بل من الرجل الذي وافقت أن أتقاسم معه عمري، ومن المرأة التي استقبلتها في بيتي بكل ترحاب واحترام.
تذكرت الكلمات التي همس بها أحمد في أذن أمه، ونبرة التردد الخائفة التي تغلفت بالطمع. تذكرت كيف كان يتابع تقارير أمي الطبية، وكيف كان يظهر الحرص والاهتمام؛ هل كان كل ذلك مجرد استثمار طويل الأجل؟ هل كان ينتظر اللحظة التي ترحل فيها أمي ليرث معها تعبها وشقاء عمرها؟
انهمرت دموع صامتة على وجنتي، لكنها لم تكن دموع انكسار، بل كانت كالمطر الذي يغسل الأرض ليمهدها للعاصفة. تذكرت وصية أمي الأخيرة ونظرتها الحادة الحاسمة: “ماتتمدش إيدك عليها لحد.. لا إنتي ولا غيرك يلمسها”. كانت أمي، برؤيتها الثاقبة للمرأة التي صرعتها الأيام وخبرتها الطويلة، تعرف أن الزمان غدار، وأن بعض الرجال قد يرتدون أقنعة الطيبة حتى تلوح لهم فرصة الكسب.
أمسكت بهاتفي المحمول، ونظرت إلى الساعة؛ كانت تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. كنت قد اتصلت بعم مصطفى البواب قبل قليل، لكنني كنت بحاجة إلى سند أقوى، سند قانوني ورجولي يقف معي في هذه المعركة التي أصبحت معركة حياة أو موت لكرامتي. ضغطت على زر الاتصال برقم ابن خالتي “حازم”.
حازم ليس مجرد ابن خالة، بل هو محامٍ شاب ذكي، وكان بمثابة الأخ الذي لم تنجبه أمي. كان يعز أمي كثيراً ويعتبرها بمثابة والدته الثانية. رن الهاتف ثلاث مرات قبل أن يأتيني صوته ناعساً ومستغرباً:
— “ألو.. فريدة؟ خير يا بنتي في إيه؟ إنتي كويسة؟ كلماني في وقت زي ده ليه؟”
لم أستطع حبس شهقتي، فانفجرت بالبكاء، لكنني تمالكت نفسي بسرعة وقصصت عليه كل ما حدث بالتفصيل؛ بدءاً من محاولة أحمد وأمه إجباري على سحب الـ 350 ألف جنيه في البنك، وصولاً إلى المؤامرة التي سمعتها بأذني قبل قليل لسرقة غوايش أمي وجدتي وبيعها لتاجر الذهب في المول عن طريق شيماء شقيقة أحمد.
أحسست بنبرة الغضب تشتعل في صوت حازم عبر الهاتف، وصوته الناعس تحول فجأة إلى نبرة حازمة وحادة:
— “ولاد الحرام! يسرقوا ذهب خالتو الله يرحمها؟ والشهادة اللي تعبت فيها طول عمرها في الخياطة؟ اسمعي يا فريدة.. من اللحظة دي مفيش عياط. الدموع مش هترجع الذهب ولا هتحميكي. إنتي لازم تكوني قوية وتعملي اللي هقولك عليه بالظبط.”
استمعت إلى حازم بتركيز شديد وهو يشرح لي خطته خطوة بخطوة. كانت خطة ذكية تعتمد على الإيقاع بهم متلبسين دون إثارة فضيحة في المنزل قد تجعلهم يخفون الذهب أو ينكرون معرفتهم بمكانه.
قال حازم بنبرة مطمئنة:
— “أنا هكون عندك تحت البيت من الساعة ستة ونص الصبح يا فريدة. وعم مصطفى البواب هيكون معانا. نامي دلوقتي أو ارتاحي، وبكرة الصبح هما اللي هيعيطوا مش إنتي.”
أغلقت الهاتف وشعرت ببعض السكينة تتسلل إلى قلبي. وضعت الهاتف بجانبي، وظللت أنظر إلى السقف حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل من بين شقوق الشيش الخشبي لغرفتي، معلنة بداية يوم جديد.. يوم الحساب.





