
الابن العاق حكايات صافي هاني
بيترعش أنا مش بتصل عشان فلوس يا بابا.. والله ما عشان فلوس. أنا بس.. أنا أسف. أنا خسرت كل حاجة، وأولهم إنت. أنا سمحت لنفسي أعمى عن الحقيقة، وسمحت لتشيلسي تهينك وأنا واقف أتفرج عشان أشتري دماغي. أنا استهلت اللي جرى لي.
عرفت منه إن تشيلسي مكنتش قادرة تستحمل العيشة الجديدة. الست اللي كانت بتلبس فساتين غالية وبتتمنظر قدام ضيوفها، بقت قاعدة في شقة ضيقة، وبتتخانق معاه كل يوم على مصاريف الأكل وفاتورة النور. الخناقات بينهم وصلت لطريق مسدود، وهي حالياً سابت البيت وقاعدة عند أهلها، والموضوع داخل في سكة طلاق.
قال لي أنا مش طالب منك ترجع، ولا طالب منك دولار واحد. أنا بس كان نفسي أقولك إني فهمت الدرس.. بس بعد ما فات الأوان.
قلت له ونبرة صوتي ثابتة بس مش قاسية يا لوجان، أنا مش زعلان منك، ومكنتش قاصد دمار حياتك. أنا بس شلت إيدي اللي كانت سانداك من غير ما تحس، عشان تعرف حجمك الحقيقي في الدنيا وتتعلم تشيل شيلتك. الراجل اللي مبيعرفش يحمي أبوه في بيته، مش هيعرف يحمي مراته ولا بيته لما الأيام تلطش معاه.
سكت، ومردش.
كملت وقلت له اشتغل على نفسك، وقف على رجلك من جديد بشقاك إنت مش بفلوس حد تاني. ولما تحس إنك بقيت راجل بجد وقادر تاخد قراراتك بنفسك. . أبقى كلمني نروح نشرب قهوة سوا.
قفلت الخط.
محستش بانتصار، ولا حسيت بحزن. حسيت براحة. الراجل العجوز اللي كانوا فاكرينه تكملة عدد أثبت إن الصمت مكنش قلة حيلة، ده كان حكمة.
ال 800 ألف دولار بتوعي لسه في الحساب، بس قيمتهم الحقيقية مش في الرقم.. قيمتهم في الحرية والكرامة اللي رجعوا لي. قفلت تليفوني، وأخدت نفس طويل، وكملت قراية كتابي وأنا ببتسم لليوم الجديد.
بعد المكالمة دي، عدت سنة كاملة.
في السنة دي، اسم لوجان مظهرش على شاشة تليفوني ولا مرة، بس كنت بتابع أخباره من بعيد لبعيد عن طريق فيونا، اللي فضلت على تواصل مع المحامي بتاعه عشان تصفية بقية الإجراءات القانونية القديمة.
عرفت إن الطلاق بينه وبين تشيلسي تم رسمياً. الموضوع مأخدش وقت طويل؛ لأن ببساطة مكنش فيه ورث أو أملاك يتخانقوا عليها خلاص. تشيلسي مشيت تدور على حد تاني يمول لها المظاهر اللي عايشة فيها، ولوجان اتساب لوحده في الشقة الضيقة يواجه ديونه، وفشله، والواقع اللي كان هربان منه سنين.
المحاسب اللي جوايا كان عارف إن الصدمة دي يا إما هتكشحه وتنهي عليه، يا إما هتعيد صياغته من جديد وتخليه راجل بجد. ولحسن الحظ، لوجان اختار التانية.
بدأ ينزل الشغل بانتظام، وبطل يشتري حاجات ملهاش لازمة بالتقسيط عشان يرضي منظرة حد. شركته الصغيرة اللي كان هيخسرها، بدأ يركز في تفاصيلها، ويمسك دفاترها بنفسه بالورقة والقلم، كأنه افتكر أخيراً إن أبوه كان محاسب بقاله 35 سنة.
في يوم جمعة، بعد سنة وشهرين بالظبط من يوم ما مشيت، لقيت رسالة على تليفوني من رقم غريب
بابا، أنا شغال في مشروع جديد في وسط البلد قريب من شقتك. لو وقتك يسمح، أنا عازمك على فنجان قهوة. مش طالب أكتر من نص ساعة من وقتك، وعلى حسابي من شقايا.
ابتسمت. الصيغة كانت مختلفة، فيها أدب ونضج مكنش موجود قبل كده. وافقت وبعتله اسم الكافيه اللي بقعد فيه دايماً.
لما جه، مكنش لوجان بتاع زمان. مكنش الشاب ال فرفور اللي لابس قميص مكوي بزيادة ورايح لاهي ورا مراته. كان خاسس شوية، علامات التعب والشقا باينة على وشه، بس عينيه كان فيها نظرة تانية خالص.. نظرة راجل فاهم هو بيعمل إيه وثابت في الأرض.
قعد، طلب القهوة، وبص في عيني وقال شكراً إنك جيت يا بابا.
هزيت راسي وقلتله أنا دايماً باجي في الوقت المظبوط يا لوجان. قولي، عامل إيه؟
فتح شنطته وطلع منها دفتر حسابات صغير، وحطه قدامي على الترابيزة.
الشركة بدأت تقف على رجلها. سددت 70 من الديون، والسنادي قفلنا الميزانية بأرباح حقيقية مش على الورق بس. أنا بقيت براجع كل قرش بيدخل ويخرج بنفسي.. زي ما كنت بتعلمني وأنا صغير وأنا مبسمعش.
بصيت في الدفتر. الأرقام كانت متسترة ومظبوطة، الحسابات متقفلة صح. رفعت عيني وبصيت له وقلت الدفاتر دي نظيفة يا لوجان. تسلم إيدك.
لمحت دموع في عينيه، بس حبسها. قال بصوت واطي دي أحسن كلمة سمعتها في حياتي. أنا مكنتش عايز فلوسك يا بابا، أنا كان لازم أفهم إن القيمة مش في المنظرة الكدابة، القيمة في الأساس. أنا أسف على كل لحظة حسستك فيها إنك مالكش لازمة.
مديت إيدي وأخدت الدفتر، وطلعت القلم الجاف من جيبي، وعملت علامة كبيرة في آخر الصفحة، وكتبت جنبيها مراجَع ومقبول.
قلت له الحساب القديم اتقفل خلاص يا ابني، ومفيش بين الأب وابنه دفاتر قديمة. المهم إنك اتعلمت الدرس.
ال 800 ألف دولار بتوعي لسه في البنك، وبقوا أكتر كمان بفضل الاستثمارات الهادية اللي بعملها. بس في اليوم ده، وأنا قاعد بشرب القهوة مع ابني وهو بيتكلم بنضج وفهم، عرفت إن أكبر استثمار نجح في حياتي مكنش في البورصة.. كان في الدرس اللي علمتهوله.
قفلنا السيرة، وبدأنا نتكلم في الشغل، وفي الدنيا، وفي ماتشات الكورة، كأننا بنبدأ صفحة جديدة تماماً.. صفحة بيضاء، حساباتها مظبوطة من أول سطر.
بعد المقابلة دي، علاقتي بلوجان





