
طليقتى وابننا
مكانش المفروض أسمع.
بس مقدرتش أتحرك.
صوت أمها كان واطي من سماعة الموبايل، ونهى ردت بعدها: “لا.. أحمد محترم جداً. عمره ما أذاني. إحنا بس ضيعنا بعض وسط الشغل والمسؤوليات.”
قلبي دق بطريقة غريبة.
قعدت ورا الحيطة من غير صوت.
نهى كملت: “عارفة إيه أصعب حاجة؟ إننا لما اتطلقنا، مكنتش زعلانة عشان الجواز انتهى… كنت زعلانة عشان صاحبي المفضل اختفى.”
وسكتت شوية.
وبعدين قالت الجملة اللي هدت كل الدفاعات اللي بنيتها جوايا:
“أنا لسه كل ما يحصللي حاجة حلوة أو وحشة، أول شخص بييجي في بالي أكلمه… هو أحمد.”
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
رجعت أوضتي بسرعة قبل ما تحس بيا.
بس من اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت.
الصبح، صحيت على ريحة قهوة.
خرجت لقيتها واقفة في المطبخ لابسة تيشيرت واسع من بتوعي كنت سايبه من زمان في الدولاب عشان يوسف يستخدمه في الرسم.
أول ما شافتني، اتوترت وقالت: “آسفة… ملابسي كانت مبلولة شوية.”
قلت بسرعة: “لا عادي.”
وفي ثانية غريبة جداً، حسيت إننا رجعنا عشر سنين لورا.
هي بتعمل القهوة. وأنا واقف مستني دوري في الحمام. والبيت دافي بشكل مريح.
يوسف صحي بعدها بدقايق، ولما شافنا واقفين جنب بعض، ابتسم الابتسامة الصغيرةاللي الأطفال بيعملوها لما يحسوا إن العالم رجع مظبوط.
اليوم ده كان المفروض يعدي وينتهي.
بس منتهيش.
نهى أجلت رجوعها للتجمع لبعد الضهر عشان المطر.
اتغدينا سوا.
لعبنا أنا ويوسف وهي لعبة الديناصورات على الأرض. وفي لحظة معينة، لقينا نفسنا بنضحك بصوت عالي جداً عشان يوسف كان مصمم إن الديناصور الطبيب يعالج الديناصور الشرير بدل ما يحبسه.
قبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت: “شكراً على امبارح.”
قلتلها: “أي وقت.”
وسكتنا.
كان واضح إن في كلام كتير واقف بينا، بس محدش عارف يبدأه إزاي.
بعدها بأسبوع، يوسف جاله دور برد جامد.
نهى جت بسرعة أول ما عرفت، وقعدنا إحنا الاتنين طول الليل نحط كمادات ونقيس الحرارة ونبدل أدوار النوم.
وفي الساعة أربعة الفجر، بعد ما يوسف أخيراً نام وحرارته نزلت، لقينا نفسنا قاعدين جنب بعض في المطبخ ساكتين.
نهى بصتلي وقالت بهدوء: “إحنا كنا فريق حلو أوي.”
ضحكت بحزن: “أيوه… كنا.”
قالت: “هو إحنا بُعدنا ليه قوي كده يا أحمد؟”
السؤال كان بسيط. بس إجابته معقدة بشكل يوجع.
قلتلها بعد تفكير طويل: “يمكن عشان كل واحد فينا كان مستني التاني يلاحظ تعبه… وفي الآخر الاتنين تعبوا لوحدهم.”
عينيها لمعت.
وقالت: “أنا كنت فاكرة إنك بقيت مبسوط من غيري.”
ضحكت ضحكة قصيرة: “وأنا كنت فاكر نفس الحاجة.”
من الليلة دي، بقينا نتكلم أكتر.
في الأول عن يوسف. بعدين عن الشغل. بعدين عن الحياة بشكل عام.
بقينا نشرب قهوة أحياناً بعد ما يوسف ينام. نبعت لبعض صور حاجات تضحك. نتخانق هزار على أحسن فيلم كارتون. نفتكر مواقف قديمة ونضحك عليها.
وببطء شديد… الغربة اللي بينا بدأت تخف.
بس الخوف كان موجود.
خوف إننا نرجع نكرر نفس الغلط. وخوف أكبر إننا منجربش أصلاً.
عدى حوالي شهرين على الليلة بتاعة المطر.
وفي يوم خميس، المدرسة كانت عاملة حفلة صغيرة للأطفال والأهالي.
يوسف كان عامل مشروع عن المجموعة الشمسية، ومصر يشرح لكل الناس إن بلوتو “مظلوم ومش واخد حقه”.
أنا ونهى كنا واقفين جنبه وهو بيتكلم بحماس، وفجأة المدرسة افتكرت إننا متجوزين، فقالتلنا: “ابنكوا نسخة حلوة منكم الاتنين.”
أنا ونهى بصينا لبعض وسكتنا.
لكن المرة دي، السكوت مكانش مريح ولا مؤلم… كان مجرد لحظة صادقة.
بعد الحفلة، يوسف جري يلعب مع صحابه، ونهى وقفت جنبي في جنينة المدرسة.
وقالت من غير مقدمات: “أنا خايفة.”
بصيتلها: “من إيه؟”
قالت: “من إننا نرجع نحاول… فنبوظأكتر.”
خدت نفس طويل.
وقلت: “وأنا خايف من إننا منحاولش… فنفضل طول عمرنا نسأل نفس السؤال.”
عينيها اتمتلوا دموع خفيفة، مش دموع حزن… دموع حد مرهق من المقاومة.
قعدنا بعدها شهور ناخد الأمور بالراحة.
مفيش وعود كبيرة. مفيش اندفاع. مفيش تمثيل إن الحب لوحده بيحل كل حاجة.
بدأنا علاج أسري. اتعلمنا إزاي نتكلم قبل ما نتراكم. إزاي نعترف بالتعب قبل ما يتحول لبعد. إزاي نطلب الاحتياج من غير كبرياء.
وأغرب حاجة اكتشفناها… إننا طول الوقت كنا بنحب بعض، بس نسينا نعيش الحب ده بطريقة صح.
وفي ليلة شتوية بعدها بحوالي سنة، كنت واقف في الجنينة الصغيرة ورا البيت بركب لمبات زينة عشان عيد ميلاد يوسف.
نهى خرجت وهي شايلة أكواب الشاي.
وقفت جنبي وقالت: “فاكر أول مرة جبنا البيت ده؟”
ضحكت: “فاكر إنك صممتي نحط زرع في كل حتة وأنا كنت شايفه مشروع فاشل.”
ضحكت هي كمان.
وبعدين سكتت شوية قبل ما تقول: “أنا مبسوطة إننا مدناش آخر فرصة لناس تانية… اديناها لنفسنا.”
بصيتلها.
المطر الخفيف كان نازل بنفس الطريقة القديمة. ويوسف كان بيجري جوه البيت وهو بيزعق عشان يورينا التورتة اللي اختارها.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة أوي…
إن بعض العلاقاتمبتنتهيش عشان الحب خلص.
أحياناً هي بس بتحتاج وقت… وهدوء… وشجاعة كفاية تخلي اتنين يعترفوا إنهم لسه، رغم كل حاجة، بيتمنوا يرجعوا البيت لبعض.





