قصص قصيرة

كان ابني البالغ من العمر ست سنوات يبكي كلما خلع جوربه

وما إن قلت ذلك حتى انفجر آدم بالبكاء.

بكاءً شديدًا جعلني أركض نحوه فورًا.

احتضنته.

وحاولت تهدئته.

لكنه ظل يبكي.

ثم قال بين شهقاته:

“أنا آسف يا أمي…”

شعرت بقلبي ينقبض.

وسألته:

“على ماذا يا حبيبي؟”

نظر إلى محمود.

وكأنه ينتظر إذنًا منه.

وهنا شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

لماذا ينظر إلى خاله قبل أن يجيب؟

وما الذي يجعله خائفًا إلى هذه الدرجة؟

قلت بصوت مرتجف:

“آدم… أخبرني بالحقيقة.”

ظل صامتًا لثوانٍ.

ثم قال:

“وعدته ألا أخبرك.”

تجمدت في مكاني.

والتفت ببطء نحو محمود.

أما هو فخفض رأسه إلى الأرض.

فقلت بحدة:

“وعدته؟ على ماذا؟”

لكن آدم عاد يبكي.

ولم يكمل.

أما محمود فبدا وكأنه يصارع شيئًا داخله.

شيئًا ظل يخفيه طوال الأيام الماضية.

ثم رفع رأسه أخيرًا.

ونظر نحوي مباشرة.

وقال بصوت منخفض:

“أختي… اسمعيني أولًا قبل أن تحكمي عليّ.”

شعرت بأن معدتي انقبضت.

ولم أعد أعرف ما الذي سأسمعه.

هل كان الأمر يتعلق بآدم؟

هل كان يتعلق بقدمه؟

أم أن الحقيقة أكبر مما أتخيل؟

قال محمود:

“أقسم بالله أنني لم أكن أريد أن يصل الأمر إلى هذا الحد.”

ثم سكت.

وأخذ نفسًا طويلًا.

بينما كنت أنتظر كلماته التالية وكأن حياتي كلها متوقفة عليها.

لكن قبل أن يكمل…

انفجر آدم بالبكاء مرة أخرى.

وأمسك بذراع خاله بقوة.

وصرخ:

“لا تقل لها!”

عندها شعرت أن الأرض تميد بي.

لأنني أدركت للمرة الأولى أن السر الذي يخفيانه ليس موجودًا في رأسي فقط.

بل هو حقيقي.

وحين نظرت إلى محمود رأيت في عينيه شيئًا لم أره من قبل.

شعورًا ثقيلًا بالذنب.

ثم قال أخيرًا:

“الذي حدث لم يكن كما تظنين…”

وسكت للحظة.

ثم أضاف بصوت مكسور:

“لكن الخطأ كله كان بسببي.”

ظللت أحدق في محمود بعد اعترافه.

كان آدم يبكي بجواره.

أما أنا فكنت أشعر أن رأسي يكاد ينفجر من كثرة الأسئلة.

قلت بصوت مرتجف:

“تكلم يا محمود… ماذا حدث بالضبط؟”

خفض رأسه إلى الأرض.

وبدا عليه الندم بصورة لم أرها فيه من قبل.

ثم قال بصوت خافت:

“أقسم بالله يا أختي أنني لم أقصد أن يصل الأمر إلى هذا.”

صرخت فيه:

“إلى ماذا؟!”

رفع عينيه نحوي أخيرًا.

وقال:

“كل شيء بدأ منذ حوالي عشرة أيام.”

ساد الصمت داخل الغرفة.

ثم بدأ يحكي.

قبل عشرة أيام كان آدم يجلس حزينًا أمام باب المنزل.

وكان يشاهد أطفال الحي يلعبون كرة القدم في الشارع.

قال محمود:

“كنت أمر من أمامه فسمعته يقول إن نفسه يلعب معهم.”

التفتُّ إليه بغضب.

فأكمل بسرعة:

“أعرف أنكِ تمنعينه من اللعب في الشارع يا أختي… لكنني أشفقت عليه.”

شعرت بانقباض في صدري.

فأنا بالفعل كنت أخاف على آدم بصورة مبالغ فيها أحيانًا.

بعد سفر والده أصبحت أخشى عليه من كل شيء.

السيارات.

الشجارات.

الإصابات.

حتى اللعب في الشارع كنت أمنعه منه.

قال محمود:

“كان ينظر إلى الأولاد وكأنه سجين.”

ثم ابتسم بحزن وأكمل:

“فقلت له تعال معي نصف ساعة فقط.”

نظرت إلى آدم.

فخفض رأسه خجلًا.

ثم قال بصوت باكٍ:

“كنت أريد أن ألعب فقط يا أمي.”

لم أعلق.

وأشرت لمحمود أن يكمل.

تنهد وقال:

“أخذته إلى الملعب الترابي الصغير خلف الحي.”

وهناك بدأ الأطفال يلعبون الكرة.

وكان آدم سعيدًا بصورة لم أرها من قبل.

يجري.

ويضحك.

ويصرخ.

وينسى كل شيء.

قال محمود:

“أقسم بالله يا أختي أنني كنت أراقبه طوال الوقت.”

ثم سكت للحظة.

وأضاف:

“لكن المشكلة حدثت في آخر اللعب.”

ابتلعت ريقي.

وأنا أستمع.

فأكمل:

“ركل أحد الأولاد الكرة بقوة.”

“فطارت فوق السور.”

“وسقطت داخل الأرض المهجورة المجاورة.”

كنت أعرف تلك الأرض.

قطعة أرض قديمة مليئة بالأعشاب اليابسة والشجيرات البرية.

قال محمود:

“قبل أن ألحق به كان آدم قد ركض خلف الكرة.”

ثم أغمض عينيه.

وأكمل بصوت مكسور:

“وبعد ثوانٍ سمعته يصرخ.”

تسارعت نبضات قلبي.

فقال:

“ركضت إليه فورًا.”

“فوجدته جالسًا على الأرض يبكي.”

“وكان يمسك قدمه.”

نظرت إلى آدم.

فبدأت دموعه تنزل من جديد.

وقال بصوت خافت:

“كانت تؤلمني جدًا.”

أكمل محمود:

“نزعت حذاءه بسرعة.”

“فوجدت شوكة نبات طويلة دخلت في باطن قدمه.”

تنفست ببطء.

أخيرًا بدأت الصورة تتضح.

قال محمود:

“كانت ظاهرة من الخارج.”

“فأمسكت طرفها وسحبتها.”

“وخرج جزء كبير منها.”

سألته:

“وهل أخذته إلى طبيب؟”

خفض رأسه فورًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى