قصص قصيرة

الوحمة

خــــ،نت زوجتي عشان أهتم بحمل عشـــــ، يقتي. لكن أول ما شلت الطفل بين إيديا وشفت وشه، فهمت إن ربنا ما ادانيش ابن… ربنا سلّمني حساب كل حاجة عملتها.

الممرضة حطت الطفل في حــ,,ـــــضني، وفجأة حسيت إن نفسي اتق.طع.
ما عيطتش من الفرحة.

عيطت من الرعب.

لأن الطفل ده ما كانش شبهّي.

لا عينيّ.

ولا مناخيري.

ولا حتى ملامحي.

كان عنده نفس الوحمة البنية تحت الجفن الشمال بالضبط…

نفس الوحمة اللي عند شريكي في الشركة، هشام.

هشام نفسه اللي قالي قبل كده:

“يا رامي، ما تبقاش غبي. لو ياسمين حامل فعلًا، ادّيها كل اللي هي عايزاه قبل ما حد غيرك يخطف الفرصة.”

ساعتها ما فهمتش قصده.

دلوقتي فهمت.

اسمي رامي الشاذلي.

عايش في القاهرة.

ومتجوز من سارة بقالنا تمن سنين.

سارة كانت ست طيبة وهادية.

من النوع اللي يستناك على العشا حتى وهي عارفة إنك راجع البيت شايل ريحة الكدب والخيانة.

سنين طويلة عدت وإحنا ما خلفناش.

أو على الأقل…

ده اللي كنت فاكره.

بيتنا بقى بارد.

كل شهر تحليل جديد.

وأمل جديد بيتكسر.

بدأت ألومها بيني وبين نفسي.

وبعدين بدأت ألومها قدامها.

كنت أقول:

“يمكن المشكلة عندك إنتِ يا سارة.”

فتسكت.

وتنزل عينيها في الأرض.

من غير كلمة واحدة.

لحد ما دخلت ياسمين فؤاد حياتي.

عرفتها في مؤتمر هندسي في الساحل الشمالي.

كانت جميلة.

واثقة من نفسها.

وتعرف تقول الكلام اللي الراجل عايز يسمعه.

خلتني أحس إني مهم.

خلتني أحس إني لسه مر، غوب.

وبعد أربع شهور…

قالتلي الجملة اللي قلبت حياتي:

“رامي… أنا حامل.”

افتكرت وقتها إن ربنا أخيرًا استجاب لدعائي.

الطفل اللي كنت بحلم بيه.

الطفل اللي اقتنعت إن سارة عمرها ما هتقدر تجيبه.

في اللحظة دي…

قررت أسيب مراتي.

لكن أبويا تعب.

وجاله جلطة في القلب.

والدكتور حذرنا من أي صد، مة.

ففضلت عايش بين حياتين.

قدام الناس زوج سارة.

وفي الحقيقة…

كنت عايش مع ياسمين.

وسارة كانت عارفة.

أكيد كانت عارفة.

لكنها ما صرختش.

ما فتشتش موبايلي.

ما سألتش.

كانت بس بتبصلي بنظرة غريبة.

كأنها شايفة نهايتي وأنا لسه ما شفتهاش.

أما ياسمين…
فبدأت تطلب أكتر وأكتر.

شقة في التجمع.

عربية جديدة.

مصاريف مستشفى خاصة.

وغرفة طفل بأفخم الأثاث.

وأنا…

كنت مغفل.

دفعت ملايين.

اشتريت شقـــــــ، ة فخمة.

وجبت سواق.

وصرفت عليها أكتر ما صرفت على بيتي نفسه.

وفي ليلة…

سارة سألتني:

“إنت متأكد إن الطفل ده ابنك؟”

بصيت لها بقرف.

وقلت:

“إوعي تقولي الكلام ده. إنتِ بس متضايقة لأنك ما عرفتيش تخلفي.”

ما عيطتش.

ولا اتخا، نقت.

بس قالت:

“ربنا أحيانًا ما بيعاقبش بسرعة يا رامي… بيعا، قب بدقة.”

وسبتها ومشيت.

في يوم الولادة.

فضلت ياسمين تصر، خ ساعات طويلة.

وأنا جنبها.

مبسوط.

مستني اللحظة اللي هبقى فيها أب.

لحد ما الممرضة قالت:

“مبروك… ولد.”

وأدتني الطفل.

بصيت في وشه.

وفي ثانية…

اتجمدت.

الوحمة.

الغمازة.

الحاجب.

كل حاجة.

نفس ملامح هشام.

شريكي في الشركة.

حسيت إن رجلي مش شيلاني.

همست:

“مستحيل…”

بصيت ناحية ياسمين.

لقيتها محولة وشها بعيد.

ما اتفاجئتش.

ما سألتش مالي.

كأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان.

وفي اللحظة اللي اتأكدت فيها إن الطفل مش ابني…

هاتفي اهتز.

رسالة من سارة.

“مبروك يا رامي. أنا كمان استلمت نتيجة تحاليلي النهارده.”

وتحت الرسالة صورة.

تحليل حمل إيجابي.

اتسمرت مكاني.

وقبل ما أستوعب الصد، مة…

وصلت رسالة تانية:

“بس قبل ما تدور عليا… افتح الظرف اللي سبتّهولك في درج مكتبك. وقتها هتعرف ليه ياسمين اختارت هشام بالذات…”

ولحظتها فقط… بدأت أفهم إن الكارثة الحقيقية لسه ما بدأتش.

أقفلت باب غرفة الأطفال في المستشفى ورايا وأنا حاسس إن الهوا اختفى من المكان كله.

إيديا كانت بترتعش.

والطفل لسه في حــ,,ـــــضن الممرضة.

أما ياسمين فكانت نايمة على السر,,ـــــير، مغمضة عينيها، لكنها ما كانتش نايمة فعلًا.

كنت أعرفها كويس.

عارف إنها بتستخبى جوه الصمت كل ما تبقى الحقيقة قريبة.

بصيت لها تاني.

قلت بصوت مخنو، ق:

ـ الطفل ده ابن مين يا ياسمين؟

فتحت عينيها ببطء.

وبصتلي.

ثواني طويلة عدت من غير ما تنطق.

ولأول مرة من يوم ما عرفتها…
شفت الخوف في عينيها.

لكن الخوف ما استمرش.

رجع مكانه نفس البرود اللي كانت بتواجه بيه الدنيا كلها.

قالت:

ـ إنت تعبان دلوقتي يا رامي.

قلت بعصبية:

ـ جاوبي.

سكتت.

قربت منها أكتر.

ـ جاوبي قبل ما أعمل حاجة أند، م عليها.

ابتسمت ابتسامة صغيرة غريبة.

وقالت:

ـ لو عايز تعرف الحقيقة بجد… روح افتح الظرف اللي سارة كلمتك عنه.

حسيت كأن حد ضــ,,ـــــربني في صدـ,,ـــري.

ـ سارة مالها بالموضوع؟

ـ أكتر مما تتخيل.

خرجت من الغر، فة قبل ما أكمل كلمة.

الممر الطويل بتاع المستشفى كان بيلف حواليا.

كل حاجة بقت مشوشة.

أصوات أجهزة.

خطوات ممرضات.

بكاء أطفال.

كل الأصوات كانت بعيدة.

كأني غطسان تحت المية.

ركبت العربية.

وسقت ناحية الشركة.

الساعة كانت داخلة على اتنين بعد منتصف الليل.

القاهرة شبه فاضية.

لكن دماغي كانت زحمة أكتر من أي وقت.

طول الطريق كنت فاكر أول مرة شوفت فيها هشام.

من عشر سنين تقريبًا.

كنا اتنين مهندسين صغيرين بنحلم نعمل شركة مقاولات كبيرة.

اشتغلنا ليل ونهار.

كبرنا.

نجحنا.

وبقينا شركاء.

كنت باعتبره أخويا.

يمكن أكتر.

عمره ما خان ثقتي.

أو ده اللي كنت فاكره.

وصلت مقر الشركة.

الأمن استغرب وجودي.

لكن محدش سأل.

طلعت المكتب.

فتحت الباب.

كل حاجة كانت زي ما سبتها.

الكرسي.

المكتب.

الملفات.

وصورة قديمة ليا ولسارة يوم افتتاح الشركة.

وقفت قدام الصورة شوية.

سارة كانت بتضحك فيها.

ضحكة صافية.

من غير خوف.

من غير وجع.

من غير الخيبة اللي أنا زرعتها في قلبها بعد كده.

بصيت بعيد بسرعة.

ورحت ناحية الدرج.

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.

لقيت الظرف.

بني اللون.

ومكتوب عليه بخط سارة:

“اقرأ للنهاية قبل ما تحكم على أي حد.”

قعدت على الكرسي.

وفتحت الظرف.

أول حاجة وقعت منه كانت نتيجة تحليل.

بصيت فيها.

وما فهمتش.

وبعدين قرأت الاسم.

رامي الشاذلي.

نتيجة فحص خصوبة.

تاريخ من خمس سنين.

العين وقفت عند سطر واحد.

“احتمالية الإنجاب الطبيعي شبه منعدمة.”

اتجمدت.

قريت السطر مرة.
واتنين.

وعشرة.

نفس النتيجة.

نفس الكلمات.

شبه منعدمة.

شبه منعدمة.

شبه منعدمة.

وفجأة افتكرت.

قبل خمس سنين فعلًا كنت عملت تحاليل.

لكن وقتها الدكتور قال إنه محتاج فحوصات إضافية.

وسافرت بعدها مؤتمر في دبي.

وبعدين انشغلت.

ونسيت الموضوع.

أو بالأصح…

اخترت أنساه.

كملت قراءة الأوراق.

لقيت تقرير تاني.

باسم سارة.

كل النتائج طبيعية.

كل شيء طبيعي.

يعني…

المشكلة ما كانتش عندها.

المشكلة كانت عندي أنا.

أنا اللي كنت السبب.

أنا اللي كنت بكسر قلبها كل شهر.

وأرمي عليها ذنبي.

وأتهمها بالعجز.

وأخليها تحس بالنقص.

رغم إنها كانت بريئة.

وقعت الورق من إيدي.

لكن كان لسه فيه ظرف أصغر جوه الملف.

فتحته.

لقيت خطاب مكتوب بإيد سارة.

“رامي…

لما تقرأ الكلام ده غالبًا هتكون وصلت للمرحلة اللي كنت خايفة منها من سنين.

أنا عرفت الحقيقة من خمس سنين.

الدكتور اتصل بيا بعد ما تجاهلت تروح تستلم باقي النتائج.

وقالي إن لازم تبلغك.

لكن وقتها شفت قد إيه إنت مكسور من فكرة إنك ممكن ما تبقاش أب.

وخفت عليك.

آه… غلطت.

كان المفروض أقولك.

لكن فضلت أشيل الحمل لوحدي.

كل مرة كنت بتلومني فيها كنت بسكت.

كل مرة كنت بتبصلي بنظرة شفقة أو غضب كنت بسكت.

لأني كنت فاكرة إن الحب معناه التضحية.

بس اكتشفت متأخر إن التضحية لما تزيد عن حدها بتتحول لإهانة.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى