قصص قصيرة

رحم للايجار

​طارق كان لسه هامس في ودن نرمين وهو دافن وشه في رقبتها وبيتنفس ريحتها اللي بتجننه. نرمين ابتسمت بخجل ووشها بقى أحمر زي الطماطم، وحــ,,ـــــضنته جامد وهي بتقول بصوت مرتعش: “يعني أنت مكنتش مغصوب عليا يا طارق؟ أنت بجد كنت شايفني حلوة؟”
​طارق بعد وشها عنه شوية وبصلها بعيون مليانة شغف وحب حقيقي لأول مرة وقالها: “مغصوب إيه يا غبية! أنا كنت بتمــ,,ـــــوت عليكي من أول ثانية شوفتك فيها، بس كبريائي وعقدتي القديمة كانوا عمياني.. كنت فاكرك زي الباقيين، بس أنتِ طلعتي حاجة تانية خالص.. أنتِ دخلتي قلبي وقفلتيه عليكي”.
​نرمين وعيونها مدمعة من الفرحة: “أنا عمري ما فكرت في فلوسك يا طارق، أنا لما قربت منك امبارح، كنت بقرب من الراجل اللي حامي وحامى عيلتي، الراجل اللي حبيت شهامته ورجولته.. أنا مش عايزة أكون مجرد رحم مأجر، أنا عايزة أكون أم ابنك بجد”.
​طارق ابتسم بابتسامة دَوبت قلبها، وشال خصلة شعر من على وشها وقال بنبرة كلها رجولة وحنان: “وأنتِ خلاص بقيتي مراتي وحبيبتي وأم ولادي.. والشركة والورق يولعوا النهاردة، أنا مش سايب الحــ,,ـــــضن ده خالص”. ومال عليها تاني يغرقها في حبه، وبدأت قصة حبهم الحقيقية اللي مكنش حد فيهم يتوقع إنها تبتدي بالشكل ده.
انجى الخطيب
………..
نرمين استسلمت تماماً لحــ,,ـــــضنه وهي حاسة إنها طايرة في السما، وكأن كل الوجع والخوف اللي عاشتهم الأيام اللي فاتت اتبخروا في ثانية. الوقت عدا وكأن الساعة وقفت بيهم، ومحسوش بالوقت غير والشمس بدأت تتنقل وتملى الأوضة بنور دافي.
​طارق ساند ضهره على السر,,ـــــير ونرمين نايمة في حــ,,ـــــضنه، حاطة راسها على صدـ,,ـــره وبتلعب بصباعها في زراير قميصه اللي كان لسه راميها جنبه. طارق فضل يملس على شعرها الأسود الطويل وبيتنهد براحة مكنش يعرفها قبل كده.
​نرمين رفعت راسها وبصتله بعيونها الواسعة وقالت بدلع: “طارق.. أنت بجد مش هتروح الشركة؟ يعني طارق الشاذلي اللي بيقدس الشغل هيغيب بسببي؟”
​طارق ضحك بصوته كله، والضحكة دي طلعت من قلبه بجد، لدرجة إن نرمين اتفاجئت بشكل غمازاته اللي أول مرة تشوفهم. طارق قرص خدها بخفة وقالها: “طارق الشاذلي اكتشف إن في حاجات في الدنيا أهم بكتير من العقود والملايين.. بعدين أنا بقالي شهور عايش في حرب مع نفسي بسبك، كنت بشوفك في الرايحة والجاية وبمــ,,ـــــوت عشان أكلمك، وجاي دلوقتي تقوليلي شركة؟”
​نرمين ابتسمت بس ملامحها اتغيرت فجأة وافتكرت حاجة، وبصت في الأرض بنبرة فيها قلق: “طارق.. طب وباباك؟ والشرط اللي كان حاطه؟”
​طارق رفع وشها بصباعه وبص في عيونها بكل ثقة: “بابا كان عايز حفيد يحمل اسم العيلة، وأنا مكنتش طايق فكرة الجواز أصلاً.. بس دلوقتي الوضع اتغير، أنا مش هجيب حفيد بس عشان الورث، أنا هجيب ابن من الست الوحيدة اللي خطفت قلبي وعلمتني يعني إيه حب.. بابا لما يعرف إننا بقينا مع بعض بجد هيطير من الفرحة، ده هو اللي كان بيتحجج بالورث عشان يشوفني مستقر وفي بيتي ست بجد.”
​نرمين دمعت من كتر الفرحة وحــ,,ـــــضنته تاني ودفــ,,ـــــنت وشها في رقبتته: “أنا بحبك أوي يا طارق.. ربنا عالم أنا شوفت إيه في حياتي، بس وجودك جنبي عوضني عن كل حاجة وحشة.”
​طارق ضمها ليه أكتر وباس راسها بقوة وقال بصوت دافي مليان حنان: “وأنا هعيش عمري كله عشان أعوضك يا قلب طارق.. يلا بقى قومي البسي عشان هنزل أعملك أحلى فطار بأيدي، والنهاردة اليوم ده بتاعي وبتاعك وبس، ومفيش قوة في الدنيا هتبعدني عنك تاني.”
انجى الخطيب
……………
عدا أسبوعين، ونرمين وطارق عايشين في تبات ونبات، حبهم بيكبر كل ثانية، وطارق اتغير 180 درجة، مابقاش يشوف قدامه غيرها. لحد ما في يوم، طارق جاله تليفون قلب كيانه، وشه اتقلب ١٠٠ لون وقام وقف فجأة وهو بيبص لنرمين بقلق وخوف حاول يداريه.
​على الناحية التانية من الخط، كان صوت جهوري وبارد، صوت “سليم الهواري”.. أكبر منافس لطارق في السوق، والراجل اللي طارق كسر عينه في مناقصة الميناء الجديدة وخسره ملايين. سليم ضحك بـ غل وقال: “مبروك يا طارق بيه.. سمعت إنك اتجوزت ووقعت في الحب كمان؟ تؤ تؤ، مش شبهك يا شاذلي.. بس الحلوة اللي معاك دي قرصتها هتبقى شديدة أوي لو الورق اللي معاك في الخزنة ما وصليش قبل بكرة بالليل.”
​طارق عروق إيده برزت وصوته بقى زي زئير الأسد: “وديني وما أعبد يا سليم، لو لمست شعرة منها لأكون حافق قبــ,,ـــــرك بأيدي.. نرمين خط أحمر!”
​سليم قفل السكة وهو بيضحك ضحكة شريرة. طارق لف لنرمين اللي كانت واقفة وميتة من الرعب، جسمها كله بيتفض. طارق جري عليها، خد وشها بين إيديه وباس جبينها بسرعة ونفسه عالي: “نرمين.. اسمعيني كويس، مفيش وقت. لازم تمشي من هنا حالاً. ماجد برة مستنيكي بعربية مأمنة، هتروحي على شقة سرية بتاعتي في المقطم، محدش يعرفها غيري. متخافيش يا عمري.. روحي وأنا بضهرك.”
​نرمين عيطت ومسكت في قميصه جامد: “مش هسيبك يا طارق! طارق أنت مخبي ايه؟ أنا خايفة عليك مش على نفسي.. متسبنيش!”
طارق دير وشه وباس شفايفها بوسة سريعة مليانة لهفة وخوف، وهمس قدام شفايفها: “روحي عشان خاطري.. طارق ميبقاش طارق لو حد لمس حتة من قلبه.. وأنتِ قلبي.”
​فعلاً، نرمين نزلت مع ماجد وهي بتعيط، والعربية طلعت بيهم على طريق المقطم. وفي نص الطريق.. فجأة ظهرت عربيتين دفع رباعي سودا، وبدأوا يزنقوا على عربية ماجد!
ماجد صرخ: “تمسكي كويس يا مدام نرمين!”.. وبدأ أكشن ومطاردة تحبس الأنفاس، ضــ,,ـــــرب نــ,,ـــــار متبادل بين ماجد ورجالة سليم. الرصاص كان بيكسر زجاج العربية ونرمين حاطة إيدها على بطنها وبتصرخ وبتدعي ربنا يحميها ويحمي حلمها. فجأة، عربية سليم خبطت عربية ماجد من الجنب، العربية لفت ووقفت تماماً.
​نزلوا رجالة ملثمين، وفتحوا الباب وشدوا نرمين وهي بتصرخ وتستغيث بطارق.. ركبوها عربيتهم واختفوا في لمح البصر.
​صحي طارق على خبر خطف نرمين.. الدنيا اسودت في عينه، كسر مكتبه كله وبقى زي المجنون البيرخص حياته كلها عشانها. في اللحظة دي، دخل مكتبه شخصية جديدة تماماً.. “عمر”، الظابط في العمليات الخاصة والصديق المقرب لطارق من أيام الطفولة. عمر دخل بكل هيبة وحزم وقال: “طارق! اهدى وفوق.. العصبية مش هترجعها. سليم الهواري غبي ولعب مع الشخص الغلط.. أنا معايا قوة ومحدد مكان الإشارة بتاعة تليفون ماجد قبل ما يتدمر.. نرمين في مخزن مهجور على طريق السويس.”
​طارق مسك عمر من جاكيته وعيونه حمرا دم: “عمرو.. نرمين لو جرى لها حاجة أنا هرتكب جناية.. يلا بينا!”
​في المخزن المهجور.. نرمين كانت مربوطة في كرسي، ودموعها مغرقة وشها، بس كان في عيونها نظرة تحدي غريبة. سليم الهواري كان واقف قدامها بيشرب سيجار وبيقرب منها بشر: “والله وعرف ينقي الشاذلي.. بس خسارة، رقتك دي هتدفع تمن كبرياء جوزك.”
نرمين تفّت في الأرض وقالت بصوت قوي هز المكان رغم خوفها: “طارق مش هيسيبك.. طارق هيمحيك من وش الأرض، أنت متعرّفش هو بيحبني إزاي!”
​فجأة! الباب الحديدي بتاع المخزن اتهد بصوت انفجار مرعب.. ودخلت قوات الشرطة ومعاهم عمر وطارق اللي كان داخل وعيونه بتطلع نــ,,ـــــار. بدأ ضــ,,ـــــرب النــ,,ـــــار يشتغل في كل حتة، أكشن حقيقي ومغامرة تحبس الأنفاس. طارق مكنش شايف الرصاص اللي بيطير فوق راسه، كان شايف حاجة واحدة بس.. نرمين.
​طارق جري زي الفهد وسط ضــ,,ـــــرب النــ,,ـــــار، وصل لنرمين وفك الحبل بسرعة. نرمين اترمت في حــ,,ـــــضنه وهي بتشهق من العياط: “طارق! كنت عارفة إنك هتيجي!”
طارق ضمها لضلوعه كأنه بيحاول يدــ,,ـــــخلا جوا قلبه عشان يحميها، وباس راسها وعيونها: “أنا هنا يا روحي.. أنا هنا يا قلب طارق، محدش يقدر ياخدك مني.”
​في اللحظة دي، سليم الهواري ظهر من ورا العواميد ورفع م..سد..سه على ضهر طارق وبغل: “هتمــ,,ـــــوتوا سوا!”
نرمين شافت سليم، وبدون تفكير لفت جسمها عشان تاخد الرصاصة مكان طارق.. وصوت ضــ,,ـــــربة نــ,,ـــــار هز المكان!
​بس الرصاصة مجتش في نرمين.. دي جت في كتف سليم الهواري اللي وقع على الأرض بيصرخ، وورا منه كان واقف “عمر” وم..سد..سه بيطلع دخان وبابتسامة ثقة: “اتأخرت عليك يا طارق؟”
​طارق بص لنرمين اللي كانت مغمى عليها بين إيديه من كتر الرعب والإرهاق، شالها بين إيديه زي العروسة، وبص لعمر وقال: “خلص عليه يا عمر.. مبيشمنيش نفس في الدنيا غير وهي في حــ,,ـــــضني.”
​خرج طارق بنرمين وسط أجواء الأكشن والبوليس، وركبها عربيته وساق بأقصى سرعة للمستشفى.. وطول الطريق كان ماسك إيدها بيبوسها وعيونه مدمعة وهو بيقول: “فوقي عشان خاطري.. متسبنيش يا نرمين، أنا ماليش حياة من بعدك.”
انجي الخطيب
وصل طارق المستشفى وهو بيجري بيها زي المجنون، شايلها بين إيديه وبيصرخ في الممرضين والدكاترة: “دكتور بسرعة! مراتي بتمــ,,ـــــوت مني.. حد يلحقني!”
​الدكاترة جروا بالترولي وأخدوا نرمين منه ودخلوها أوضة الطوارئ فوراُ، وطارق وقف برة ساند راسه على الحيطة، لأول مرة في حياته يحس بالكسرة والضعف دي، دموعه نزلت وهو بيفتكر شكلها وهي بتلف جسمها عشان تاخد الرصاصة مكانه.. البنت اللي كان فاكرها جاية عشان فلوسه، كانت مستعدة تمــ,,ـــــوت عشان يعيش هو.
​بعد حوالي ساعة، الباب اتفتح وخرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة والابتسامة على وشه: “اهدأ يا طارق بيه، المدام بخير.. اللي حصلها ده كان مجرد إغماء من الرعب والضغط العصبي الشديد، وجسمها ضعيف شوية.. بس الحمد لله، مفيش أي أثر لجلطة أو نزيف، والصدمة عَدت على خير.”
​طارق أخد نفسه طويل وكأنه الروح ردت فيه تاني: “الحمد لله.. طب والجنين يا دكتور؟ هي كانت…”
الدكتور ابتسم أوي وقال: “مبروك يا طارق بيه.. المدام حامل في أسبوعين، والبيبي ثبت وزي الفل رغم كل اللي مرت بيه.. دي معجزة، ربنا نجاهم هما الاتنين.”
​طارق مكنش مصدق ودانه، الفرحة لجمت لسانه، حَس إن الدنيا كلها بتضحك له فجأة. دخل الأوضة لقى نرمين بدأت تفتح عيونها بتعب، والضوء الأبيض بتاع الأوضة عاكس على ملامحها البريئة. أول ما شافته، عيونها دمعت ومدت إيدها المرتعشة ليه.
​طارق جري عليها، قعد على ركبه جنب السر,,ـــــير وأخد إيدها باسها بكل حُب ولهفة، ودفــ,,ـــــن وشه في كف إيدها وهو صوته مخنوق بالدموع: “أنتِ كويسة يا روحي؟ حاسة بوجع؟ أنا أسف يا نرمين.. أنا السبب في كل اللي حصلك ده، حطيتك في وسط نــ,,ـــــاري.”
​نرمين حطت إيدها التانية على شعره وبدأت تملس عليه بحنان: “أنا كويسة طول ما أنا شيفاك قدامي واقف على رجليك ومفيكش خدش واحد.. طارق، أنا كنت مستعدة أمــ,,ـــــوت بس أنت متتأذيش، أنا اكتشفت إني ماليش عيش في الدنيا دي لو أنت مش فيها.”
​طارق رفع راسه وبصلها وعيونه لمعت بالفرحة: “ومين قال إنك هتمــ,,ـــــوتي؟ أنتِ هتعيشي.. وهتعيشي عشانّا وعشان حتة مننا جوة بطنك دلوقتي.”
​نرمين برقت عيونها بصدمة وفرحة ودموعها نزلت: “أنت بتقول إيه؟ طارق.. أنا حامل؟”
طارق هز راسه وهو بيضحك ودموعه نازلة: “آه يا قلب طارق، حامل.. يعني اللي كنا بنخطط ونحلم بيه ونحارب الدنيا عشانه بقا حقيقة.. أنتِ شايلة ابني في بطنك، وجبتهولي بالطريقة اللي أنتِ عوزتيها.. من حُبنا مش من التلقيح.”
​نرمين لفت دراعتها حوالين رقبته وشدته ليها، وطارق دفــ,,ـــــن نفسه في حــ,,ـــــضنها وهو بيتنفس ريحتها اللي بتديله الحياة.
​في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة ودخل “الشاذلي بيه” والد طارق، وبان على وشه علام,,ات السن بس هيبته زي ما هي، وعينه كانت مدمعة.. وبص لطارق ونرمين وقال بصوت مرتعش: “سامحني يا ابني.. أنا السبب في كل ده، ضغطي عليك هو اللي خلاك تعمل كدا وتدخل في الدوامة دي.. بس لما عرفت باللي حصل وبعمايل سليم الهواري، حسيت إن روحي بتتسحب مني.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى