قصص قصيرة

بعد ست سنوات

إيدي كانت .
وقلت
في حاجة مهمة لازم تعرفيها.
استمرت الجلسة ساعات.
أسئلة.
دموع.
حيرة.
وخوف.
وفي الآخر
ليان فضلت ساكتة فترة طويلة.
ثم بصتلي.
وقالت
يعني إنتِ ماما؟
أنا هزيت رأسي.
والدموع مغرقة وشي.
سألت
بجد؟
قلت
بجد.
وفجأة قامت من مكانها.
جريت ناحيتي.
.
بريء.
لكن كأنه رجعلي ست سنين من عمري.
أنا وهي في البكاء.
أما الراجل اللي رباها
فكان بيبكي هو كمان.
لأن الحقيقة كانت مؤلمة للجميع.
لكن لأول مرة
كانت حقيقة.
بعد سنة كاملة، ما أخدتش ليان من البيت اللي اتربت فيه.
ولا قطعت بالرجل اللي رباها.
بالعكس.
بقينا كلنا جزء من حياة بعض.
أنا.
وجنى.
وليان.
وهو.
لأن الحب الحقيقي ما بيتقسمش.
وفي يوم أول يوم دراسة في السنة اللي بعدها
رجعت البنتين من المدرسة.
ورموا الشنط على الكنبة.
وجرى الاتنين عليا.
وقالت جنى
اعملي سندوتشات زيادة بكرة.
ضحكت وأنا بعيط.
وقلت
زيادة لمين؟
جنى بصت لليان.
وليان بصت لجنى.
وبعدين الاتنين قالوا في نفس الوقت
لأختي.
وقتها فقط
حسيت إن الست سنين اللي اتسرقوا مني عمرهم ما هيرجعوا.
لكن اللي جاي
لسه ممكن يكون جميل.
لكن بعد ما افتكرت إن الحكاية انتهت
اكتشفت إن لسه في آخر فصل.
وأهم فصل.
بعد شهور من معرفة الحقيقة، بدأت الحياة تستقر تدريجيًا.
ليان بقت تقضي نص الأسبوع معايا أنا وجنى.
ونص الأسبوع في البيت اللي اتربت فيه.
والرجل اللي رباها، واسمه محمود، كان بيتعامل بمنتهى الاحترام.
ولا مرة حاول يبعدها عني.
ولا مرة حطها في موقف اختيار بينا.
وكان دايمًا يقول لها
قلبك كبير يكفي كل الناس اللي بتحبك.
ومع الوقت بدأت ليان تناديني ماما.
في الأول كانت بتقولها بتردد.
كأنها بتجرب الكلمة.
لكن كل مرة كانت تقولها
كنت أحس إن جزء مكسور جوايا بيرجع يتصلح.
أما جنى
فكانت أسعد واحدة في الدنيا.
بقت تروح المدرسة ومعاها أختها.
وترجع معاها.
وتنام وهي تحكي لها أسرارها.
وفي يوم دخلت عليهم الأوضة.
لقيتهم نايمين جنب بعض.
نفس الوضع.

نفس ملامح الوش.
نفس الابتسامة الصغيرة وهما نايمين.
وقفت أبص لهم وقت طويل.
وأفتكر اليوم اللي قالولي فيه إن واحدة منهم ماټت.
وأقول لنفسي
يا ترى لو كنت استسلمت للحزن أكتر؟
لو ما كنتش روحت المدرسة اليوم ده؟
لو ما سألتش؟
كان إيه اللي هيحصل؟
يمكن كنت هعيش باقي عمري فاكرة إن بنتي تحت التراب.
وهي كانت ماشية على الأرض قدامي.
بعد سنة تقريبًا
وصلني اتصال من النيابة.
بلغوني إن القضية الخاصة بتبديل الأطفال انتهت.
الدكتورة هالة اعترفت بكل حاجة.
وتمت
محاكمتها.
لكن الغريب
إني ما حسيتش بأي انتصار.
لأن الحقيقية كانت إنها عاشت ست سنين شايلة الذنب.
وكل يوم تشوف البنت قدامها وتعرف إنها

مش مكانها.
أما أختها
فكانت دفعت الثمن قبل ما .
وفي آخر رسالة سابتها، كانت كاتبة
أنا عارفة إن مفيش اعتذار يكفي. لكن أتمنى يومًا ما تسامحيني لأنني كنت أمًا ضعيفة ، واتخذت قرارًا حياة ناس كتير.
قفلت الرسالة يومها.
ودعيت لها بالرحمة.
مش لأنها كانت على حق.
لكن لأن الكراهية ما كانتش هترجعلي السنين اللي ضاعت.
بعدها بفترة قصيرة
رجع جوزي.
أبو جنى.
بعد غياب طويل.
وقف قدام الباب.
وكان شكله أكبر من عمره.
وأهدى بكتير.
قال
ممكن نتكلم؟
قعدنا ساعات.
وحكى قد إيه كان عاجز قدام حزني.
وقد إيه هرب بدل ما يواجه.
وقال إنه ندم كل يوم إنه سابنا.
أنا ما رجعتش له فورًا.
لكن اديناه فرصة يتعرف على ليان.
وفرصة يصلح ببناته.
ومع الوقت
رجع جزء من العيلة اللي كانت اتكسرت.
مش بنفس الشكل القديم.
لكن بشكل أنضج.
وأصدق.
وفي يوم عيد ميلاد البنتين السابع
عملنا حفلة صغيرة في الجنينة.
كان فيه تورتة كبيرة.
وعليها اسمين.
جنى وليان.
وأول مرة في حياتي أشوف الاسمين مكتوبين جنب بعض.
زي ما كان المفروض يحصل من البداية.
قبل ما يطفوا الشمع.
قلت لهم
استنوا.
ورحت أوضتي.
وطلعت صندوق صغير.
الصندوق اللي كنت مخبية فيه كل حاجة تخص ليان.
بطاقة المستشفى.
الصور القديمة.
والبطانية الوردية الصغيرة اللي كانوا قالولي إنها آخر حاجة لمستها.
رجعت لهم.
وحطيت الصندوق قدامها.
وساعتها حكت لهم القصة كلها.
ببساطة تناسب سنهم.
ومن غير تفاصيل مؤلمة.
بس الحقيقة.
ولما خلصت
ليان سألتني
يعني إنتِ فضلتِ تدوري عليا؟
دموعي نزلت.
وقلت
كل يوم.
جنى سألت
وإنتِ كنتِ زعلانة علشان فاكرة إن ليان ماټت؟
هزيت رأسي.
فمسكت إيدي.
وقالت
بس هي ما .
ابتسمت وسط دموعي.
وقبل ما أرد
ليان مسكتني من الناحية التانية.
وقالت
أنا هنا.
في اللحظة دي
بصيت للسماء.
ولأول
مرة من سبع سنين كاملة
حسيت إن الحمل اللي كان فوق قلبي اختفى.
لأن البنت اللي بكيتها سنين
كانت قاعدة جنبي.
بتضحك.
وتتنفس.
وتكبر.
وتناديني ماما.
وأدركت إن المعجزات مش دايمًا بتنزل من السما بشكل واضح.
أحيانًا بتيجي على هيئة طفلة صغيرة ترجع من أول يوم مدرسة
وتقول ببساطة
اعملي سندوتشات زيادة لأختي.
ومن الجملة دي
رجعت حياة كاملة كانت ضايعه.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى