قصص قصيرة

مرات اخويا

تراجع والد سحر خطوة إلى الخلف وهو يحاول تهدئة ابنه، لكن أحمد اندفع نحوي وقبض على ياقتي بقوة، وصاح بصوت خىنقه الغيظ: “أنت ليك عين تيجي هنا تاني بعد اللي أخوك عمله؟! أختي بتمىوت جوة، وأخوك الجبان رماها في عز محنتها وكىسر بخاطرها وهي بين إيدين ربنا! جايبين إيه تاني.. جايين تشمتوا فينا؟!”

حاولتُ تخليص نفسي برفق، وقلت ونبرة الأسى تملأ صوتي: “يا أحمد وحد الله، أنا ماليش ذنب في اللي عمله محمود، أنا جيت لوحدي ومن وراه عشان أطمن على سحر.. سحر أختنا كلنا وإحنا مش راضيين عن اللي حصل واصل.”
تدخل والد سحر وشد يد ابنه قائلاً: “سيبه يا أحمد، الراجل ملوش ذنب.. أخوه هو اللي حسابه معايا عسير.” ثم التفت إليّ ونظر بعينين ذابلتين وقال: “سحر لسة مفاقتش يا ابني، الدكاترة بيقولوا الصدومة النفسية مخلية استجابتها للمنىشطات ضعيفة.. ادعيلها، مالناش غير الدعاء.”

في تلك الأثناء، في منزلنا، كان محمود يدور في الصالة كالمجند المطرود، يحاول إقناع نفسه بأنه على حق، وأن كرامته كرجل أُهينت عندما تصرف أهل زوجته دون علمه. دخلت عليه أمي وهي تحمل سجادة الصلاة والدموع لم تجف من عينيها، وقالت بنبرة حادة: “عاجبك حالك ده؟ قاعد زي النسوان تدور حولين نفسك، ومرتك في الإنعاش؟ قوم يا محمود.. قوم روح اقف جنب حماك، صلح الغلطة اللي عملتها قبل ما ربك يغضب عليك ويبتليك في صحتك.”

صرخ محمود بعناد يداري به خوفاً دفيناً: “أنا مغلطتش! هما اللي استغفلوني.. عيلتها كىسرت كلمتي، والست اللي تكسر كلمة راجلها ملهاش مكان في بيته.. خليهم يشبعوا بيها!”

وفجأة، رن هاتف محمود. نظر إلى الشاشة فشحب وجهه.. كان المتصل هو أحد جيراننا الذي يعمل ممرضاً في نفس المستشفى. فتح محمود الخط بيد ترتعش ووضع الهاتف على أذنه، ليأتيه صوت الجار مرتبكاً وأنفاسه متلاحقة: “الحق يا محمود.. المستشفى مقلوبة، وأخو سحر جاب معاه ناس وقرايبهم من البلد، ونازلين يدوروا عليك وعلى أخوك.. والكل بيتكلم إن سحر حصل لها…”

لم يكمل الجار جملته، لأن الخط انقطع فجأة. سىىقط الهاتف من يد محمود، وتحول بياض عينيه إلى حمرة قانة.. نظر إلى أمي وقال بصوت مخنوق: “الظاهر البنت جرى لها حاجة.. وأهلها ناوين على شر.”

لم تمر سوى ساعة واحدة، حتى سمعنا جلبة شديدة في الشارع أسفل منزلنا، أصوات صراخ وعويل نساء تختلط بأصوات سيارات تتوقف بعنف.. ركضتُ نحو الشرفة لاستطلاع الأمر، فصدىمىتُ بمشهد أرعبني؛ كانت هناك سيارة إسعاف تقف أمام باب البيت، ويحيط بها رجال عائلة سحر وعلى رأسهم شقيقها أحمد، وجوههم كانت خالية من أي تعبير سوى الغضب الأسود والمىىوت..

التفتُّ إلى محمود وأبي وأمي وقلت بصوت يرتجف من الرعب: “محمود.. أبو سحر وأخوها برة.. ومعاهم إسعاف!”

#الكاتب_رومانى_مكرم

تسمر محمود في مكانه، وصعق أبي من هول المشهد، بينما بدأت أمي تطرق على خديها وتصرخ: “يا مصيبتي! البنت ماتت.. البنت ماتت وجايبين ج*ثتها لحد هنا عشان ينتقموا مننا!”

نزلتُ مع أبي مسرعين إلى الشارع قبل أن يتفاقم الأمر، بينما بقي محمود في الشقة يرقب المشهد من خلف زجاج النافذة، والخوف قد تملك منه تماماً بعد أن تلاشت نبرة الكبرياء والتعالي.

بمجرد وصولنا إلى باب العمارة، وجدنا أحمد، شقيق سحر، يقف وعيناه تشعان غضباً، وخلفه عدد من رجال عائلتهم يحيطون بسيارة الإسعاف التي كانت محركاتها لا تزال تعمل. تقدم أبي نحو أحمد ويده ترتعش، وقال بصوت متهدج: “يا بني.. وحد الله.. سحر جرى لها إيه؟”

نظر أحمد إلى أبي باحتقار وقال بصوت جهوري هز أركان الشارع: “بنتنا ماماتتش يا حاج.. بنتنا ربنا كتب لها عمر جديد وخرجت من العناية، لكن إحنا مش هنسيبها في المستشفى دقيقة واحدة عشان الغريب والقريب ما يقولش إنها ملهاش ضهر! إحنا جبنا الإسعاف عشان ننقلها بيت أبوها معززة مكرمة.. وجينا هنا عشان ناخد حاجتها، كل حاجة تخصها في الشقة دي تطلع دلوقتي حالا!”

تنفسنا الصعداء مؤقتاً لأن سحر لا تزال على قيد الحياة، لكن نبرة أحمد كانت تؤكد أن المعركة لم تنتهِ بل بدأت للتو. في تلك اللحظة، لم يحتمل محمود البقاء في الأعلى، ونزل يجر خطاه وعلامات الارتباك والوجوم تكسو وجهه. بمجرد أن رآه أحمد، تحرك نحوه كالفهد الذي يوشك على افتراس فريسته، ودفع صدره بقوة قائلاً: “أهو جه الجبان.. جه اللي رمى لحمه عشان شكل ومظاهر كدابة!”

تدخل رجال المنطقة وأبي للفصل بينهما قبل أن تتطور المشاجرة إلى تشابك بالأيدي. صرخ محمود محاولاً استعادة هيبته أمام الجيران الذين تجمعوا في الشرفات: “أنا مش جبان! أنا راجل، والست اللي تعمل عملية من ورايا وتكسر كلمتي ملهاش قعاد عندي، وحاجتها مش هتطلع من هنا إلا لما تطلق رسمي وتتنازل عن كل حقوقها!”

ضحك أحمد ضحكة ساخرة مليئة بالمرارة، وبصق على الأرض وقال: “حقوق إيه يا أبو حقوق؟ أختي هي اللي بايعاك، والطلاق هيحصل بالقانون وبكرة المحاكم تفصل بينا.. إحنا جايين ناخد لبسها وحاجتها الخاصة اللي تسترها في بيت أبوها، ومش عاوزين من وشك قشة زيادة.”

صعد أحمد مع اثنين من رجاله بالقوة إلى الشقة، وتحت نظرات أمي الباكية، بدأوا في جمع ملابس سحر وأشيائها البسيطة في حقائب كبيرة. كان المشهد مهيناً وقاسياً، وجدران الشقة التي شهدت أياماً طيبة أصبحت الآن شاهدة على خراب بيت كامل بسبب العناد والنظرة الضيقة.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى