
مرات اخويا
فتح محمود الخط والذهول يعقد لسانه، وجاءه الصوت النسائي حاداً ومألوفاً، ليتبيّن سريعاً أنه صوت “الدكتورة منى”، الطبيبة الإخصائية التي كانت تتابع حالة سحر في البداية قُبيل إجرائها العملية الجراحية.
قالت الدكتورة منى بنبرة لوم شديدة وواضحة: “مساء الخير يا أستاذ محمود. أنا عرفت باللي حصل بينك وبين سحر وعرفت إنكم اتطلقتوا، وبصراحة ما كنتش حابة أتدخل في أموركم الشخصية، لكن ضميري المهني والإنساني ما سمحليش أسكت بعد ما شفت نتايج التحاليل والفحوصات الأخيرة بتاعة سحر اللي ظهرت النهاردة في المستشفى.”
سأل محمود بصوت متحشرج يحمل مزيجاً من اللهفة والخوف: “فحوصات إيه يا دكتورة؟ أنا عرفت إنها خفت وبقت كويسة والورم اختفى تماماً بعد العملية.”
تنهدت الدكتورة منى بقوة وقالت كلماتها التي نزلت على رأس محمود كالمطرقة: “سحر خفت فعلاً يا محمود، بس اللي أنت ما تعرفوش، ولا سحر نفسها كانت تعرفه، إن الورم اللي كان عندها كان من النوع النشط والمستجيب جداً للعلاج الهرموني والتحفظي. يعني الجراحة اللي أهلها دخلوها تعملها فجأة وبسرعة، كانت جراحة ‘استئصال جزئي وتجميلي’ للورم بس، مش استئصال كلي للثدي زي ما كنا فاكرين في الأول! الدكاترة جوة أوضة العمليات لما فتحوا، لقوا إن حجم الورم منكمش بفضل ربنا وثباتها، وقدروا ينقذوا حياتها ومن غير ما يشيلوا الصدر كله زي ما كنت أنت مرعوب ومتعقد!”
شحب وجه محمود تماماً، وسىقطت الكلمات منه دون وعي: “يعني.. يعني سحر ما تشالشا؟ يعني هي لسة زي ما هي؟”
ردت الطبيبة بنبرة احتقار لا تخلو من القسوة: “أيوا يا محمود.. سحر رجعت كاملة وصحتها بومب، وعمليتها نجحت بنسبة مية في المية ومن غير أي تشويه. أنا بكلمك بس عشان أقولك إنك خسرت ست بمليون راجل عشان أوهام ومظاهر كدابة في دماغك، وعشان تعرف إن المرض ده كان اختبار من ربنا ليك قبل ما يكون ليها.. وأنت سقطت في الاختبار بأبشع طريقة ممكنة.”
أغلقت الدكتورة منى الهاتف في وجهه، لتترك محمود في حالة من الجنون الفعلي. انهار على مقعده والدموع تحرق عينيه، يدق رأسه بيده ويصرخ صمتاً من شدة الندم. لقد خرب بيته، وطلق زوجته، وخسر احترام أهله وبلده بالكامل، من أجل جرح لم يحدث إلا في مخيلته المريضة، بينما خرجت سحر من المحنة منتصرة، بكامل صحتها وأنوثتها، لكنها خسرت شيئاً واحداً فقط.. خسرت رجلاً لم يكن يستحقها.
لم يستطع محمود تحمل البقاء في القرية، فقرر بعد أسبوعين أن يذهب إلى المدينة المقيمة بها سحر محاولاً التلصص من بعيد، لعل عينه تقع عليها ليرى كيف أصبحت. وقف محمود على ناصية الشارع القريب من منزل والدها، يختبئ وراء نظارته الشمسية وجسده يرتجف.
انعزل محمود في شقته الفارغة، تمر عليه الأيام كأنها سنوات. أصبح يرى طيف سحر في كل ركن، يسمع ضحكتها في الممر، ويتذكر قسوته عليها في تلك الليلة المشؤومة. تحول من رجل مغرور ومتكبر إلى جسد بلا روح، يأكله الندىم ويحرقه العجز.
وبعد مرور عدة أشهر، وفي ليلة شاتية مظلمة، كان محمود يجلس في شىىقته وعيناه معلقتان بالسقف، حتى سمع صوت زغاريد قوية تأتي من بعيد.. أصوات احتفال وفرح تهز أرجاء المنطقة. خرج إلى الشرفة بلهفة، ليرى جاره الممرض يقف في الشارع ويتحدث مع الجيران بصوت عالٍ.
استمع محمود إلى الكلمات التي جعلت قلبه يتوقف عن النبض تماماً، ومفاجأة أخيرة وصادىمة لم تكن تخطر له على بال، ستضع النقطة الأخيرة في كتاب عذابه…
#الكاتب_رومانى_مكرم
كانت الزغاريد تقترب وتعلوا، والأنوار تملأ الشارع الأسفل من منزله. أطل محمود بجسده كله من الشرفة، وعيناه تملأهما الحيرة، حتى رأى سيارة مزينة بالورود تقف أمام بيت عائلة سحر القريب، وخرجت منها سحر بطرحتها البيضاء كالملك المتوج، وبجوارها الدكتور شريف يمسك يدها بحب وفخر أمام الجميع.
لكن الصدمة الحقيقية التي جعلت عقل محمود يطير، هي عندما رأى والده وأمه وأخاه يقفون في مقدمة المستقبِلين! نزل والده من السيارة وهو يستند على عصاه، وتقدم نحو الدكتور شريف وعانقه، ثم التفت إلى سحر وقبّل رأسها وهو يبكي ويقول بصوت مسموع أحرقت كلماته قلب محمود: “مبروك يا بنتي.. ربنا عوضك براجل صانك وعرف قيمتك، وعوضنا بإبنة بارة هنفضل نتشرف بيها طول عمرنا.”
أدرك محمود في تلك اللحظة النهاية الكاملة؛ عائلته تبرأت منه ومن أفعاله واختارت أن تقف مع الحق، بينما بات هو منبوذاً، وحيداً، وخارج كادر الحياة تماماً.
تراجع محمود إلى داخل شقته المظلمة الباردة، وأغلق باب الشرفة خلفه ليتوارى عن أنوار الفرح التي لم يعد له مكان فيها. جلس على الأرض ووضع رأسه بين ركبتيه، بينما كانت أصوات المزامير والزغاريد تخترق الجدران لتذكره في كل ثانية بذنب “سحر”.. تلك الإنسانة النظيفة التي ضحى بها من أجل مظهر زائل وأوهام مريضة، فجازاه الله بالبقاء وحيداً يأكله الندم والخراب، بينما نبتت في صدر سحر حياة جديدة، طاهرة، وخالية من الأورام.. ومن محمود.
انتهت قصة سحر ومحمود، وبقيت جدران الشىقة الفارغة شاهدة على أن كىسر الخواطر في المحن.. عقابه يدوم ليوم الدين.
#الكاتب_رومانى_مكرم
تتجلى في هذه القصة العديد من الحكم والمواعظ الإنسانية والاجتماعية البليغة، والتي تلخص عواقب الأنانية والسطحية في التعامل مع العىلاقات الإنسانية، ومن أبرز هذه الحكم:
تتجلى في هذه القصة العديد من الحكم والمواعظ الإنسانية والاجتماعية البليغة، والتي تلخص عواقب الأنانية والسطحية في التعامل مع العىلاقات الإنسانية، ومن أبرز هذه الحكم:
* **الصحة والروح أبقى من المظهر الزائل:** إن قيم الإنسان ومعدنه الحقيقي يظهران في جوهره وروحه، وليس في مظهره الخارجي الذي قد يتغير في أي لحظة بسبب المرض أو تقدم العمر. من يبني عىلاقاته على المظاهر الكاذبة، ينهار بنيانه عند أول اختبار حقيقي.
* **المواقف الصعبة تكشف منابت الرجال:** إن عقد الزواج هو “ميثاق غليظ” أساسه المودة والرحمة والدعم في السراء والضراء. التخلي عن شريك الحياة في لحظة مرضه وضعفه ليس مجرد قسوة، بل هو خيانة للأمانة التي عهد الله بها للزوج.
* **عاقبة الظلم والتعنت وخيمة:** الظلم عاقبته الندىم، وكما تدين تدان. العناد والكبرياء الأعمى يدفعان صاحبهما لاتخاذ قرارات متهورة يخسر فيها نفسه وأقرب الناس إليه، ليتحول من موقف القوة المزعومة إلى موقف الضعف والندم الحىارق.
* **الخيرة فيما اختاره الله ولعل بعد العسر يسراً:** قد تبدو بعض الابتلاءات (كالمرض والطىلاق) صدىمىات مدمرة في بدايتها، لكنها في الحقيقة قد تكون بوابة لنجاة الإنسان وتطهير حياته من الأشخاص المؤذيين، وتعويضه بمن يقدره ويصونه.
* **الكرامة فوق كل شيء:** أثبتت “سحر” أن للمرأة كرامة لا يمكن المساس بها، وأن الحياة مع شخص يرى زوجته كـ “مظهر” فقط هي حياة مىىيتة. الاستغناء بزهد وعزة نفس هو أول خطوة نحو التعافي والبدء من جديد.
> **الخلاصة:**
> “من باع لحم شريكه في محنته، باعه أقرب الناس إليه في راحته، وبقي وحيداً يق*تله الندم على ما فرط في جنب الأمانة.”





